من يراقب المشهد السياسي الإماراتي يدرك أن التحركات الإنسانية الكبرى غالبًا لا تأتي بمعزل عن أجندات أبعد من مجرد الإغاثة. فحين تُعلن أبوظبي عن إرسال 200 طن من المساعدات العاجلة إلى ميانمار، لا يُمكن أن نقرأ الخطوة على أنها عمل إنساني بحت، بل كتحرك محسوب ضمن استراتيجية “القوة الناعمة” التي باتت علامة بارزة في الدبلوماسية الإماراتية. هذه الدولة التي تورطت عسكريًا واستخباراتيًا في أكثر من بلد عربي، وتُتهم بانتهاكات ممنهجة لحقوق الإنسان داخليًا وخارجيًا، تحاول الآن تجميل صورتها عبر تحركات إنسانية مشبوهة التوقيت والمآلات.
في وقت تتزايد فيه الانتقادات الحقوقية والدولية ضد سجل الإمارات في اليمن وليبيا والسودان وحتى في الداخل الإماراتي، جاء الإعلان عن إرسال شحنة ضخمة من المساعدات إلى ميانمار ليبدو وكأنه جزء من حملة علاقات عامة أكثر من كونه استجابة إنسانية خالصة.
صحفيون ومحللون سياسيون وصفوا الخطوة بأنها “مشهد استعراضي دبلوماسي”، هدفه إبراز الإمارات كدولة راعية للسلام وملتزمة بالمسؤولية الدولية. لكن الحقيقة، كما يقول الباحث السياسي د. كمال عزيز: “أن هذه التحركات غالبًا ما تكون مدخلاً لبناء نفوذ سياسي وتجاري في مناطق الصراع، كما حدث في اليمن وعدن وسقطرى من قبل”.
ميانمار: أرض خصبة للتدخلات الناعمة
ميانمار، الدولة التي عانت من انقلابات عسكرية وعمليات تطهير عرقي بحق أقلية الروهينغا، تُعاني اليوم من زلزال جديد يفتح أبواب التدخل الخارجي من جديد. ولأن الإمارات لا تفوت فرصة الدخول في أزمات الآخرين لتثبيت نفوذها، يبدو أن التحرك الإغاثي هذا ليس سوى بوابة دبلوماسية جديدة في جنوب شرق آسيا.
في تقرير سابق لصحيفة الغارديان البريطانية، أشارت مصادر استخباراتية إلى أن “الإمارات تتابع بدقة التحولات العسكرية في ميانمار وتستثمر في الأزمات لبناء موطئ قدم سياسي”، في تلميح واضح لاستخدام الشحنات الإغاثية كستار لتوسيع الحضور الدبلوماسي وربما الاقتصادي لاحقًا.
سجل إماراتي مزدوج: دعم المليشيات ثم إرسال الطعام
المفارقة أن الإمارات ترسل المساعدات إلى ميانمار بينما تواجه اتهامات بدعم مليشيات قاتلة في اليمن والسودان. فكيف تستقيم الصورة؟
في اليمن، اتُهمت الإمارات بتمويل وتسليح قوات انفصالية ارتكبت انتهاكات ضد مدنيين، فيما قالت منظمة هيومن رايتس ووتش إن الإمارات كانت تدير سجونًا سرية شهدت انتهاكات فظيعة. وفي السودان، تُتهم أبوظبي بتسليح قوات الدعم السريع المتورطة في جرائم إبادة جماعية.
هنا يصبح السؤال مشروعًا: هل هذه المساعدات امتداد لسجل دبلوماسي ملتزم بالعدالة، أم أنها محاولة للتغطية على ممارسات دامية في أماكن أخرى؟
رسالة للخارج قبل الداخل
إرسال هذه الكميات من المساعدات في هذا التوقيت بالذات – وبعد أسابيع من تقارير دولية تدين دور الإمارات في زعزعة استقرار دول عربية – لا يمكن اعتباره صدفة. إنه رسالة موجهة للغرب تقول: “نحن لا ننتهك… بل نُغيث”.
كما أنها محاولة لإعادة بناء جسور مع جهات دولية بدأت تُضيق الخناق على أبوظبي بسبب سجلها الحقوقي، لا سيما في ظل تصاعد الدعوات لفرض عقوبات على المسؤولين عن دعم المليشيات المسلحة في السودان واليمن.
هل تتوقف الإنسانية عند الحدود الجغرافية؟
اللافت أيضًا أن الإمارات، التي تهرع اليوم إلى ميانمار، لم تُظهر تحركًا مماثلًا تجاه ضحايا العدوان الإسرائيلي على غزة، رغم أن عشرات آلاف القتلى والجرحى يعيشون في ظروف إنسانية كارثية.
يقول الصحفي الفلسطيني مأمون أبو عامر: “الإمارات اكتفت ببعض التصريحات والإغاثات الرمزية في غزة، بينما فتحت جسرًا جويًا لنقل المساعدات إلى ميانمار. هذا يُثبت أن التحركات مبنية على مصالح لا على مبادئ”.
رافقت المساعدات حملة إعلامية مكثفة داخل الصحف الإماراتية الرسمية. عناوين كبيرة وصور ضخمة، وتكرار لعبارات مثل “الإمارات سباقة في العطاء الإنساني”، في مشهد يبدو أقرب إلى حملة انتخابية خارجية لتلميع الصورة.
حتى في التقارير الإخبارية، لم يتم ذكر أي تنسيق فعلي مع منظمات إنسانية مستقلة، ما يُثير الشكوك حول جدية التوزيع وعدالته وفعاليته.
المساعدات لا تُبيض صفحة مشوهة
من حق المتضررين في ميانمار الحصول على الدعم الإنساني، لكن من حق المتابعين أيضًا التساؤل عن خلفيات هذا الدعم ومقاصده. ما لم يكن هناك شفافية حقيقية، وربط دائم بين العمل الإنساني واحترام حقوق الإنسان في السياسة الخارجية، ستبقى المساعدات الإماراتية مجرد أدوات ناعمة في يد مشروع سياسي خشن.
والسؤال الذي لا يمكن تجاوزه: هل يحق لنظام يتهمه مجلس حقوق الإنسان الدولي بارتكاب جرائم حرب أن يلبس عباءة الرحمة في ميانمار؟