لم يعد مستغربًا أن تتحرك السعودية بخطى متسارعة نحو تعميق ارتباطها بالمؤسسة العسكرية الأمريكية، لكن إعلان انضمامها إلى برنامج “شراكة الدول” (SPP) مع الحرس الوطني في ولايتي إنديانا وأوكلاهوما يطرح أسئلة ملحّة: هل نحن أمام تعاون دفاعي متوازن، أم أمام حلقة جديدة من مسلسل الارتهان العسكري الذي يجعل أمن المملكة مرهونًا بواشنطن؟
برنامج يحمل أكثر من اسم: التعاون أم السيطرة؟
برنامج “شراكة الدول” الذي أُطلق بعد الحرب الباردة يقدَّم كآلية لتبادل الخبرات وبناء القدرات بين الحرس الوطني الأمريكي وجيوش الدول “الشريكة”. لكن خلف هذه العناوين البراقة، يراه منتقدون أداة لضمان تبعية الدول الحليفة، وإبقاء جيوشها في حالة اندماج وظيفي مع المؤسسة العسكرية الأمريكية.
إلحاق السعودية بالبرنامج يعني عمليًا أن القوات المسلحة ستدخل في تدريبات وعمليات مشتركة تحت إشراف الحرس الوطني الأمريكي، بما يعزز اعتمادها على التكنولوجيا، العقيدة، وحتى القيادة الأمريكية في بعض الملفات.
توقيت مريب ورسائل مزدوجة
الانضمام الرسمي جاء في 21 أغسطس 2025، وسط ظروف إقليمية معقدة:
- حرب غزة ما تزال مشتعلة، وإسرائيل تستخدم الدعم الأمريكي بلا قيود.
- الخليج يعيش حالة من التوتر مع إيران، والرياض تبحث عن ضمانات دفاعية إضافية.
- تراجع الثقة في قدرة “التحالف العربي” على إدارة ملفاته الأمنية بعيدًا عن المظلة الأمريكية.
في هذا السياق، يظهر القرار وكأنه رسالة طمأنة لواشنطن أكثر منه قرار سيادي يخدم مصلحة وطنية مستقلة. السعودية تقدم نفسها كحليف مطيع، يسلّم قراره العسكري الإستراتيجي للشريك الأمريكي.
من التعاون إلى الاندماج
الاتفاق يربط السعودية بشراكة ثلاثية مع ولايتي إنديانا وأوكلاهوما. للوهلة الأولى يبدو الأمر تفصيلاً بروتوكوليًا، لكنه في العمق يعني أن جنود وضباط المملكة سيتدربون ويخططون وفق العقيدة الأمريكية، وبآليات توجيه تُدار من واشنطن.
بدل أن تبني الرياض جيشًا مستقلًا بعقيدة وطنية خالصة، تُدخل نفسها في منظومة تجعلها تابعة تقنيًا وفكريًا لقيادة أجنبية، ما يُعيد للأذهان تاريخًا طويلًا من الوجود العسكري الأمريكي على أراضي المملكة.
رواية رسمية لامعة وواقع مختلف
رئيس هيئة الأركان السعودية فيّاض الرويلي وصف الخطوة بأنها “علامة فارقة” تعزز الأمن والاستقرار الإقليمي. لكن أي استقرار يمكن تحقيقه إذا كانت الدولة لا تثق بقدرتها على إدارة أمنها بنفسها، وتبحث دومًا عن مظلة خارجية تحميها؟
الاستقرار الحقيقي لا يُبنى على الشراكات الرمزية، بل على إرادة سيادية، واستقلال القرار العسكري، وبناء عقيدة وطنية لا تخضع لهيمنة خارجية.
تبعية أم ضمانة بقاء؟
قد يجادل البعض أن الانضمام للبرنامج يوفر للسعودية فرصة لتحديث قواتها والاستفادة من الخبرة الأمريكية. لكن الواقع يُظهر أن هذه “الخبرة” تُترجم إلى صفقات تسليح بمليارات الدولارات، وتدريب مشروط يضمن بقاء الجيش السعودي في حالة اعتماد دائم على الدعم الأمريكي.
في جوهره، البرنامج ليس مجرد تدريب، بل آلية لإعادة إنتاج التبعية عبر الأجيال العسكرية القادمة، بحيث يُصبح القادة الجدد مشبعين بالعقيدة الأمريكية، لا بالعقيدة الوطنية المستقلة.
من شراكات الرياضة إلى شراكات السلاح
لا يختلف الأمر كثيرًا عن سياسات التلميع الرياضي أو الترفيهي: تُنفق الرياض المليارات لتشتري صورة دولية حديثة، لكنها في النهاية تُسلم أدوات قوتها الحقيقية للغير. اليوم، الساحة العسكرية نفسها تتحول إلى مساحة استعراض ولاء للولايات المتحدة، أكثر من كونها بناءً لقوة حقيقية قادرة على الدفاع عن الأرض.
شراكة تُضعف السيادة
انضمام السعودية إلى برنامج “شراكة الدول” قد يُسوَّق كخطوة لتعزيز الأمن الإقليمي، لكنه في الواقع يؤكد هشاشة القرار العسكري الوطني، ويكرّس تبعيتها البنيوية للولايات المتحدة.
إن دولة لا تستطيع أن تبني أمنها دون وصاية خارجية لن تكون قادرة على لعب الدور الإقليمي المستقل الذي تدّعيه. وفي النهاية، ستجد الرياض نفسها شريكًا في إستراتيجية أمريكية أكبر، لا أكثر من أداة في يد واشنطن تُستخدم حيث تقتضي مصالحها.