تكشف الوقائع الموثقة والصفقات المليارية المعلنة أن التصريح التصعيدي الفج والمهين الذي أطلقه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ضد سلطنة عُمان لم يكن زلة لسان أو موقفاً عفوياً، بل يندرج ضمن نمط بوليسي منظم من النفوذ والتوجيه الإماراتي الخبيث داخل الإدارة الأمريكية. هذا التصريح، الذي نُشر عبر القنوات الرسمية للبيت الأبيض، يعكس مصالح مالية وشخصية متشابكة لعائلة ترامب، حوّلت السياسة الخارجية لواشنطن إلى بند في محفظة استثمارية تديرها أبوظبي لتصفية حسابات إقليمية وتدمير استقرار الجوار العربي.
تصريح من غرف طحنون بن زايد
خلال اجتماع وزاري بالبيت الأبيض في 27 مايو 2026، أطلق ترامب تهديده المباشر قائلاً: “عُمان ستتصرف مثل الجميع، وإلا سنضطر إلى تفجيرهم.. إنهم يفهمون ذلك وسيكونون بخير”. وجاء هذا الخطاب الإبادي الصادم ليعري حقيقة الضغوط الممارسة خلف الكواليس؛ فالإدارة الأمريكية ومؤسساتها الاستخباراتية تعلم يقيناً أن الموقف العُماني التاريخي بشأن مضيق هرمز ثابت، ويقوم على إدانة استخدام الممر المائي لأغراض سياسية أو عسكرية وتأكيد طابعه الدولي، مما يؤكد أن التهديد الأمريكي زرعته أصابع الإمارات للضغط على مسقط وثنيها عن لعب أي دور وسيط ومستقل يحقن الدماء الإقليمية.
الشبكة المالية: شراء عائلة ترامب بـ 500 مليون دولار
في قلب هذه الديناميكية الفاسدة يقف مارتي إيدلمان (Martin Edelman)، المستشار القانوني العام لشركة الذكاء الاصطناعي الإماراتية المشبوهة G42 والمستشار الشخصي لرئيس الاستخبارات الإماراتية طحنون بن زايد. ووفقاً لتقرير صحيفة “وول ستريت جورنال” (يناير 2026)، وقّع إيدلمان صفقة استحوذت فيها شركة Aryam Investment (التابعة لطحنون مباشرة) على 49% من شركة World Liberty Financial (المشروع التشفيري الخاص بعائلة ترامب) مقابل نصف مليار دولار (500 مليون دولار)، قبل تنصيب ترامب بأيام قليلة فقط، ليصبح إيدلمان وبنغ شياو عضوين في مجلس الإدارة، مما جعل مصالح ترامب الشخصية رهينة مباشرة لرضا وتدفقات أموال أبوظبي.
“رجل أبوظبي في مانهاتن” والذكاء الاصطناعي
لم تكن هذه الصفقة وليدة اللحظة؛ ففي مايو 2025، نشرت وكالة “بلومبرغ” تقريراً بعنوان “رجل أبوظبي في مانهاتن”، وصفت فيه إيدلمان بأنه “حلاّل المشكلات” والشخصية الرئيسية التي تيسر وصول نظام محمد بن زايد إلى الدوائر اللصيقة بترامب. وتوج هذا النفوذ في الشهر نفسه (مايو 2025) بوقوف ترامب في أبوظبي ليعلن شخصياً عن “شراكة تسريع الذكاء الاصطناعي الأمريكية-الإماراتية” وتدشين أكبر حرم ذكاء اصطناعي خارج أمريكا بقدرة 5 جيجاوات، ضمن صفقات تجارية أعلن عنها البيت الأبيض تجاوزت كفتها 200 مليار دولار، وهو ما استخدمه السفير الإماراتي يوسف العتيبة لتعزيز التبعية والارتهان المتبادل.
مافيات اللوبي وتصفية الحسابات: ملف غزة نموذجاً
تتحرك أبوظبي في واشنطن عبر ترسانة من شركات اللوبي المدفوعة بمئات ملايين الدولارات، وعلى رأسها شركة Akin Gump وشركة FGS Global التي تتقاضى وحدها 5.6 مليون دولار سنوياً لإدارة السمعة وتوجيه الإعلام العبري والغربي لخدمة الأجندة الإماراتية. وتتجلى خطورة هذا الأخطبوط التخريبي فيما كشفته منصة Middle East Eye (17 مارس 2025) عن تقارير لمسؤولين أمريكيين ومصريين، تؤكد ممارسة الإمارات ضغوطاً خانقة خلف الأبواب المغلقة على إدارة ترامب لإسقاط وإجهاض “خطة غزة” التي صاغتها مصر وأقرتها الجامعة العربية، لكون الإمارات لم تكن لتجرؤ على معارضة الإجماع العربي علناً، فاستخدمت نفوذها المالي لدى ترامب لطعن الخطة في الغرف المظلمة.
لماذا ترامب؟
تجمع التحليلات الاستراتيجية على أن ترامب يمثل الحالة الأكثر قابلية للابتزاز والاستغلال الإماراتي لسببين رئيسيين:
-
دمج الخاص بالعام: عدم فصل ترامب بين مصالحه التجارية وقراراته السيادية؛ فاستحواذ الإمارات على نصف مشروعه التشفيري جعل أي هجوم على خصوم أبوظبي مصلحة مالية مباشرة لعائلته.
-
الارتجال وتفريغ الشحن: أسلوبه القائم على الحديث خارج النصوص المعدة سلفاً، يساهم في تسريب الإملاءات التي يتلقاها في اللقاءات الخاصة مع المانحين الإماراتيين.
إن تحويل السياسة الخارجية لأكبر قوة عسكرية في العالم إلى أداة لترهيب سلطنة عُمان وتهديدها بالنسف والتفجير، يكشف الوجه القبيح لمنظومة الفساد المالي والنفوذ المحترف لأبوظبي؛ حيث تبرهن المعطيات على أن نظام بن زايد مستعد لرهن السلم الإقليمي وإشعال الممرات المائية لفرض وصايته ونشر فوضاه التوسعية تحت حماية الطائرات الأمريكية المشتراة بأموال النفط.