في سابقة قضائية بارزة بالولايات المتحدة، قُدمت دعوى ضد شرطة جامعة ولاية أريزونا، بعد انتشار مقاطع مصوّرة توثق لحظة قيام عناصر الأمن بنزع حجاب أربع طالبات مسلمات بالقوة أثناء اعتقالهن خلال اعتصام طلابي داعم لفلسطين في نيسان/أبريل 2024.
الدعوى، التي أثارت جدلاً واسعاً، تمثل نقطة تصادم بين حرية التعبير والحقوق الدينية من جهة، وتغوّل سلطات إنفاذ القانون من جهة أخرى، وسط اتهامات متصاعدة للإدارة الأمريكية بالتواطؤ مع السياسات الإسرائيلية على حساب حقوق مواطنيها المسلمين.

تفاصيل الحادثة: حجاب منزوعة بالقوة واعتقال جماعي
وقعت الحادثة في 26 نيسان/أبريل 2024، حين نظّم طلاب مؤيدون لفلسطين اعتصاماً مفتوحاً داخل حرم جامعة ولاية أريزونا بمدينة تمبي احتجاجاً على حرب الإبادة في غزة. قوات مشتركة من شرطة الجامعة ومكتب قائد مقاطعة ماريكوبا وشرطة الولاية اقتحمت المكان، واعتقلت 69 شخصاً بتهمة “التعدي على الملكية”، بينهم أربع طالبات مسلمات: فاطمة جباردي، نور عودة، نورة عبد الله، وسلمى جبعيه.
الفيديو الذي انتشر لاحقاً أظهر عناصر شرطة يجبرون إحدى الطالبات، وهي مكبلة اليدين ومعصوبة، على خلع حجابها أمام عدسات الكاميرات. ووفق محامي الدفاع ديفيد شامي، فإن ما جرى يمثل “إذلالاً علنياً” وانتهاكاً صارخاً للتعديل الأول في الدستور الأمريكي الذي يكفل حرية المعتقد والرموز الدينية.
الطالبات، بحسب محاميهن، ظللن بلا حجاب طوال فترة احتجاز تجاوزت 24 ساعة، وهو ما اعتبرته الدعوى “إهانة دينية وإذلالاً نفسياً علنياً” خلّف آثاراً عميقة على ضحاياه.
ثغرات قانونية وتناقض في السياسات
المفارقة أن مكتب قائد مقاطعة ماريكوبا (MCSO) نفسه يمتلك سياسة تنص على “توفير تسهيلات معقولة” فيما يخص الملابس الدينية، والسماح بإزالتها فقط لفترة وجيزة وبظروف خاصة. غير أن ما حدث أظهر إصرار بعض الضباط على التجاوز. حتى أن أحد عناصر شرطة الجامعة رفض بداية نزع حجاب طالبة احتراماً لمعتقداتها، لكن ضابطاً من MCSO أصر على تنفيذه، في تجاهل لسياسات مكتوبة وواضحة.
هذه التناقضات لم تمر مرور الكرام، إذ استندت الدعوى القضائية إلى تسجيلات صوتية ووثائق رسمية تثبت أن الضباط خالفوا اللوائح الداخلية لمؤسساتهم، مما قد يفتح الباب أمام تعويضات مالية ضخمة، وربما يفرض إعادة صياغة سياسات التعامل مع الرموز الدينية في أماكن الاحتجاز بالولايات المتحدة.
غضب منظمات الحقوق المدنية والإسلامية
مجلس العلاقات الأمريكية الإسلامية – فرع أريزونا (CAIR-AZ) أدان الحادثة بشدة، واعتبرها “عملاً إسلاموفوبياً متعمداً” يعكس تمييزاً دينياً ممنهجاً. المنظمة طالبت بفتح تحقيق عاجل ومحاسبة الضباط شخصياً، مؤكدة أن احترام الخصوصية الدينية لا يجوز أن يُختزل في استثناءات بيروقراطية.
كما وصفت الدعوى الضرر الذي لحق بالطالبات بـ”الصدمات النفسية والإذلال العام”، وطالبت بتعويض مالي عقابي، إضافة إلى إصلاحات بنيوية تضمن توفير بدائل تحترم الحرية الدينية مستقبلاً.
القضية في سياق أوسع: فلسطين، القمع، والتمييز
اللافت أن هذه الحادثة لم تقع بمعزل عن المشهد السياسي العام، إذ جاءت في وقت تشهد فيه الجامعات الأمريكية موجة احتجاجات واسعة ضد الحرب على غزة. السلطات الأمريكية، التي تزعم حماية حرية التعبير، سمحت باعتقالات جماعية لمئات الطلاب، بينما وفّرت غطاءً سياسياً لإسرائيل في حربها على المدنيين.
هنا يتضح البعد الأخطر: الانتهاك لم يكن موجهاً ضد الطالبات كأفراد فقط، بل جاء في إطار سياسة تضييق على أي تعبير معارض لجرائم الاحتلال الإسرائيلي. ما جرى في أريزونا يُقرأ كامتداد لانحياز مؤسسات الدولة الأمريكية لرواية الاحتلال، حتى لو جاء ذلك عبر سحق حقوق دستورية لمواطنين أمريكيين مسلمين.
الحادثة تعكس، بحسب محللين، ازدواجية فاضحة: واشنطن تتحدث عن “حرية المرأة الإيرانية في خلع الحجاب”، لكنها في المقابل تجبر نساء مسلمات على خلعه قسراً في شوارعها وسجونها، حين يرتبطن بحراك داعم لفلسطين.
أثر قضائي محتمل وتداعيات مستقبلية
هذه الدعوى قد تتحول إلى قضية اختبارية في المحاكم الأمريكية بشأن حدود تعامل الشرطة مع الرموز الدينية. إذا كسبت الطالبات القضية، فستُرغم المؤسسات الأمنية على إعادة النظر في سياساتها الداخلية، وقد تشكّل سابقة تمنع تكرار هذه الانتهاكات. أما إذا خسرت، فستكون رسالة خطيرة بأن حقوق الأقليات الدينية يمكن التضحية بها تحت ذريعة “الأمن”.
الأهم أن الحادثة تضيف طبقة جديدة من الغضب لدى الجاليات المسلمة والعربية في أمريكا، التي ترى أن دعم الحكومة الأمريكية للاحتلال لم يقتصر على السلاح والمال، بل انعكس في تعامل أمني يومي يجرّد المسلمين من أبسط حقوقهم الدينية.
خلاصة
دعوى أريزونا ليست مجرد قضية محلية، بل مرآة تعكس تناقضات السياسة الأمريكية: تدّعي حماية الحريات بينما تسحقها حين يتعلق الأمر بفلسطين. خلع الحجاب بالقوة لم يكن فقط انتهاكاً دينياً، بل امتداداً للانتهاكات التي يبررها الدعم غير المشروط لـ”إسرائيل”. وإذا كان الاحتلال يختبر أسلحته على أجساد الفلسطينيين، فإن الشرطة الأمريكية تجرّب سياساتها على أجساد وكرامة طلابها المسلمين.
هذه القضية قد تتحول إلى محطة فاصلة، إما باتجاه إصلاح يعيد الاعتبار للحقوق الدينية، أو تكريس لنهج قمعي متماهٍ مع الاحتلال، يتسلل من غزة إلى قلب الجامعات الأمريكية.
اقرأ أيضًا : غوغل وتمويل بروباغندا نتنياهو: اتفاق يشرعن الإنكار ويطمس الجرائم