حرب غزة كسوق اختبار مفتوح للتكنولوجيا العسكرية
في تقرير صادم نشرته صحيفة “واشنطن بوست”، كشفت الصحفية شيرا روبن كيف تحوّلت حرب الإبادة على قطاع غزة إلى منصة تجارية مفتوحة أمام شركات السلاح الإسرائيلية الناشئة، التي استغلت المجازر اليومية بحق المدنيين لتسويق منتجاتها باعتبارها “مجرّبة ميدانيًا”. لم تعد غزة، في هذا السياق، مجرد ساحة حرب، بل مختبرًا حيًا تُختبر فيه الطائرات المسيّرة، والروبوتات، وأنظمة الذكاء الاصطناعي، على أجساد الأبرياء، ثم تُعرض لاحقًا على جيوش العالم بوصفها أدوات فعالة للسيطرة والقتل.
شركة “كيلا” الناشئة تمثل نموذجًا صارخًا لهذا المسار. تأسست عام 2024 على يد جنود احتياط شاركوا فعليًا في العمليات العسكرية، وبدأوا فورًا بتطوير طائرات مسيّرة تعمل بالألياف الضوئية لتجاوز التشويش وفقدان الإشارة في مناطق القتال. هذه النماذج لم تُختبر في بيئات محايدة، بل في شوارع غزة ومخيماتها، قبل أن تُقدَّم لاحقًا كأسلحة “جاهزة للتصدير”.
تبييض الجرائم عبر خطاب الابتكار العسكري
رغم الإدانات الدولية الواسعة لانتهاكات الاحتلال واتهامه بارتكاب جرائم حرب وإبادة جماعية، واصلت هذه الشركات الترويج لنفسها بلغة “الابتكار” و”التطوير السريع”. تتحدث قيادات هذه الشركات عن “ضغوط التطوير” و”تحديات ساحة المعركة”، متجاهلين أن هذه الساحة كانت مليئة بالنساء والأطفال والنازحين.
خطاب “التكنولوجيا الذكية” بات أداة لتبييض الجرائم. فحين تُسوّق الطائرات المسيّرة أو أنظمة الاستهداف بوصفها “أكثر دقة”، يتم إخفاء حقيقة أنها استخدمت في تدمير أحياء كاملة، وقصف مدارس ومستشفيات، وتحويل الحياة المدنية إلى ركام. وبدل أن تكون هذه التقنيات محل مساءلة أخلاقية، تحوّلت إلى سلعة مربحة في سوق السلاح العالمي.
الاستثمار في الدم: أرقام تكشف حجم الاستفادة
بحسب بيانات رسمية، استقطبت الشركات الإسرائيلية الناشئة في مجال “تكنولوجيا الدفاع” استثمارات تجاوزت 15.6 مليار دولار في عام 2025، مقارنة بـ12 مليارًا في العام السابق. هذا النمو لم يأتِ من فراغ، بل كان ثمرة مباشرة للحرب، ولتسويقها باعتبارها “عرضًا حيًا” لقدرات السلاح الإسرائيلي.
كما ساهمت العمليات العدوانية في لبنان وإيران، والهجمات باستخدام أجهزة البيجر، في تعزيز صورة الاحتلال كقوة تكنولوجية قادرة على تنفيذ ضربات دقيقة، وهو ما زاد شهية المشترين الأجانب. هكذا، تحوّلت الاعتداءات إلى أدوات دعاية غير مباشرة، تخدم مصالح الشركات أكثر مما تخدم أي “أمن” مزعوم.
الذكاء الاصطناعي: آلة قتل بلا ضمير
أحد أخطر أبعاد هذا النمو يتمثل في توظيف الذكاء الاصطناعي في إنتاج “قوائم أهداف” بسرعة غير مسبوقة. هذه الأنظمة تتيح اتخاذ مئات آلاف القرارات في وقت قصير، ما يعني عمليًا تسريع عملية القتل الجماعي.
لكن خبراء أكدوا أن هذه التقنيات عاجزة عن احتساب المخاطر الإنسانية أو تقدير حجم الكارثة المدنية. فالخوارزمية لا ترى طفلًا تحت الأنقاض، ولا تسمع صراخ أم فقدت أبناءها. هي تحسب “الهدف” فقط، وتنفّذ، في إطار منظومة لا تعترف بالأخلاق ولا بالقانون الدولي.
وهنا تتجلى خطورة تحويل الحرب إلى مشروع رقمي: يصبح القتل عملية إدارية، والمجازر نتائج جانبية، والضحايا أرقامًا في قواعد البيانات.
التحايل على العقوبات واستمرار التجارة السوداء
رغم فرض بعض الدول الأوروبية قيودًا جزئية على تصدير السلاح للاحتلال، إلا أن الشركات الإسرائيلية سرعان ما وجدت طرقًا للالتفاف عليها، عبر تأسيس فروع في الولايات المتحدة وأوروبا، أو إرسال وفود من مكاتبها الخارجية لحضور معارض السلاح والتفاوض على الصفقات.
هذا التحايل يعكس فشل النظام الدولي في محاسبة الاحتلال، ويكشف أن المصالح الاقتصادية ما زالت تتقدم على العدالة وحقوق الإنسان. فالدول التي تتحدث عن “القلق الإنساني” تواصل، عمليًا، شراء أدوات القتل، ولو بطرق غير مباشرة.
الإبادة كمشروع اقتصادي منظم
ما تكشفه “واشنطن بوست” يتجاوز مجرد قصة شركات ناشئة ناجحة. نحن أمام نموذج متكامل يحوّل الاحتلال والحرب إلى صناعة، والدم الفلسطيني إلى وقود للاستثمار، والدمار إلى شهادة جودة للمنتج العسكري.
غزة لم تكن فقط ضحية العدوان، بل تحوّلت إلى معرض مفتوح للسلاح، تُختبر فيه التقنيات، وتُصقل فيه الخوارزميات، وتُبنى فيه الثروات على جماجم الأبرياء. في هذا السياق، لا يمكن فصل “الابتكار العسكري” عن منظومة الإجرام المنهجي التي يديرها الاحتلال، بدعم دولي وصمت متواطئ.
إن ما يجري ليس تطورًا تقنيًا بريئًا، بل اقتصاد حرب قائم على الإبادة، يُعاد تصديره إلى العالم في عبوات أنيقة تحت مسمى “الدفاع”، بينما جوهره الحقيقي هو القتل والسيطرة والتجريد من الإنسانية.
اقرأ أيضًا : تطبيع مقابل الموارد.. انفصالي “صوماليالاند” بصدد إبرام صفقة مع الاحتلال