تشهد ولاية شمال كردفان تصعيدًا عسكريًا خطيرًا مع اتساع رقعة الاشتباكات بين الجيش السوداني وميليشيا الدعم السريع، في وقت تتفاقم فيه الكارثة الإنسانية على نحو غير مسبوق، وسط تحذيرات أممية من انهيار شامل للأوضاع المعيشية لملايين السودانيين، ودعوات عاجلة لتوفير التمويل والإغاثة، في ظل اتهامات متصاعدة لدولة الإمارات بلعب دور محوري في تأجيج الصراع وإطالة أمد الحرب.

معارك على تخوم كردفان

وأفادت مصادر في الجيش السوداني لقناة الجزيرة باندلاع اشتباكات عنيفة في محيط منطقة جبَرة الشيخ بولاية شمال كردفان، مؤكدة أن وحدات المدفعية التابعة للجيش استهدفت تجمعات لميليشيا الدعم السريع التي تحاول التمدد في المنطقة. وتأتي هذه الاشتباكات ضمن معركة أوسع للسيطرة على كردفان، التي تحولت خلال الأشهر الأخيرة إلى ساحة قتال مركزية في الحرب السودانية.

وفي سياق متصل، قال مصدر عسكري للجزيرة إن طائرة مسيّرة تابعة لميليشيا الدعم السريع قصفت منطقة سماسم جنوب مدينة الدلنج، إضافة إلى استهداف منطقة أبو جبيهة في ولاية جنوب كردفان، ما يعكس اعتماد الميليشيا المتزايد على الطائرات المسيّرة في ضرب المناطق المدنية والعسكرية على حد سواء.

كما كشف مصدر عسكري آخر أن قوات من الجيش السوداني، مدعومة بقوات مساندة، نفذت عمليات تمشيط في ثلاثة محاور قتالية حول مدينة كادوقلي، عاصمة ولاية جنوب كردفان، في محاولة لاحتواء تمدد الدعم السريع ومنعها من ربط جبهات القتال بين كردفان ودارفور.

أهمية كردفان.. عقدة الجغرافيا والثروات

وتكتسب كردفان أهمية استراتيجية استثنائية، إذ تضم ثلاث ولايات غنية بالنفط والذهب والأراضي الزراعية، فضلًا عن موقعها الجغرافي الذي يجعلها حلقة وصل حيوية بين مناطق سيطرة الجيش في الشمال والشرق والوسط، وإقليم دارفور الذي تهيمن عليه ميليشيا الدعم السريع منذ أواخر أكتوبر/تشرين الأول الماضي.

ويرى مراقبون أن السيطرة على كردفان تمثل هدفًا مركزيًا للدعم السريع، ليس فقط لأسباب عسكرية، بل أيضًا للسيطرة على الموارد الطبيعية ومسارات التهريب، وهو ما يفسر شراسة المعارك واتساع رقعتها، وتحول القرى والبلدات إلى ساحات قتال مفتوحة.

كارثة إنسانية بلا أفق

بالتوازي مع التصعيد العسكري، تتعمق المأساة الإنسانية في السودان. فقد أعلن مكتب تنسيق الشؤون الإنسانية في الأمم المتحدة (أوتشا) أن المنظمة الدولية تحتاج إلى 2.9 مليار دولار خلال العام المقبل لتقديم مساعدات إنسانية لنحو 20 مليون شخص داخل السودان.

وأوضحت الأمم المتحدة أن عدد النازحين داخليًا بلغ 9 ملايين و600 ألف شخص، يعيش كثير منهم في ظروف شديدة الهشاشة، فيما يعاني نحو 29 مليون سوداني من انعدام الأمن الغذائي الحاد، مع وجود أكثر من 20 منطقة مهددة بالمجاعة، في مؤشر صادم على حجم الانهيار المعيشي.

نزوح عبر الحدود ومعاناة مضاعفة

وفي جنوب كردفان، قال عبد الرحيم حسن، مفوض العون الإنساني بمحافظة أبو جبيهة، إن نحو 1600 نازح وصلوا إلى المدينة قادمين من منطقة هجليج النفطية، بعد رحلة شاقة اضطروا خلالها للعبور عبر دولة جنوب السودان، هربًا من المعارك وانعدام الأمن.

وأشار حسن إلى أن النازحين وصلوا في أوضاع صحية متدهورة، وتم تقديم رعاية طبية عاجلة لهم، محذرًا من توقع وصول موجات نزوح جديدة من هجليج ومناطق أخرى داخل جنوب كردفان، في ظل غياب المأوى ونقص الغذاء والدواء، ما ينذر بكارثة إنسانية متفاقمة.

الإمارات ودور تأجيج الحرب

وفي خضم هذه التطورات، تتزايد الاتهامات الموجهة لدولة الإمارات بدعم ميليشيا الدعم السريع سياسيًا ولوجستيًا، في إطار ما يصفه مراقبون بـ”حرب بالوكالة” تهدف إلى السيطرة على موارد السودان وإعادة تشكيل موازين القوى داخله. وتشير تقارير متعددة إلى وجود خطوط إمداد وتسليح وتمويل تصل إلى الميليشيا، ما ساهم في إطالة أمد الحرب وتعقيد فرص الحل السياسي.

ويرى محللون أن هذا الدعم الخارجي هو أحد الأسباب الرئيسية لتحول الصراع إلى حرب استنزاف مدمرة، يدفع ثمنها المدنيون وحدهم، بينما تغيب أي مساءلة دولية حقيقية للدول المتورطة في تغذية النزاع.

أزمة مفتوحة بلا حلول

ومنذ اندلاع الحرب في أبريل/نيسان 2023، أسفر الصراع في السودان عن مقتل عشرات الآلاف وتشريد الملايين، في ما وصفته الأمم المتحدة بأنه ”أسوأ أزمة إنسانية في العالم”. ومع استمرار المعارك في كردفان وتصاعد النزوح، تبدو البلاد عالقة في دوامة عنف وانهيار، وسط عجز دولي عن فرض وقف فعلي لإطلاق النار، أو حماية المدنيين من ويلات حرب تتجاوز حدود الداخل السوداني، وتمتد خيوطها إلى عواصم إقليمية فاعلة.

اقرأ أيضًا : رغم محاولات الاحتلال.. الجنائية الدولية تتحدى الضغوط وتُبقي ملف غزة مفتوحًا