في ظل تصاعد الجرائم الإسرائيلية في الأراضي الفلسطينية، فجّرت صحيفة “الإندبندنت” البريطانية قنبلة مدوية من خلال تحقيق استقصائي يكشف عن فظائع مروّعة يتعرض لها الفلسطينيون في المعتقلات الإسرائيلية. 

شهادات الناجين، وتقارير تشريح الجثث، والمقاطع المصورة، ترسم لوحة دامية عن آلة قمع لا تتورع عن استخدام أبشع الوسائل لتعذيب وتهشيم أجساد وعقول الفلسطينيين خلف القضبان. 

التحقيق الذي يعتمد على مصادر موثوقة ومتنوعة، يؤكد أن الانتهاكات ليست “حالات فردية”، كما تدعي المؤسسة الأمنية الإسرائيلية، بل سياسة ممنهجة تمتد من قاعدة سدي تيمان العسكرية إلى سجون مثل عوفر ومجدو وغيرها.

شهادات مباشرة… أصوات من قلب العذاب

افتتحت “الإندبندنت” تحقيقها بشهادة صادمة لمعتقل فلسطيني يروي كيف اقتيد إلى قاعدة عسكرية في جنوب إسرائيل، ليجد نفسه مكبّل اليدين، مطروحًا على الأرض ومحاطًا بخمسة جنود. 

لم يكن يتخيل أن هذه اللحظة ستكون بداية رحلة جحيم، حيث بدأ الجنود في ركله ولكمه والدوس عليه بأقدامهم، فيما كانت الكلاب المدربة تنبح فوق جسده المثخن بالضرب. 

لم تتوقف المأساة عند هذا الحد، بل تعرّض لصعقات كهربائية واعتداءات بأدوات حادة، وصولًا إلى الطعن المباشر الذي أدى إلى ثقب في رئته وكسور في أضلاعه. 

الأسوأ، بحسب روايته، كان الاعتداء الجنسي الذي تعرض له باستخدام الأدوات ذاتها، ما تسبب له بإصابات بالغة استدعت عمليات جراحية عاجلة.

وما يزيد من فداحة هذه الشهادة، أن المعتقل لم تكن قد وُجّهت إليه أي تهمة. لم يُستدعَ إلى محكمة، لم يُمكّن من الدفاع عن نفسه، بل لم يكن يعلم حتى لماذا اعتُقل.

وهو ما يعيد تسليط الضوء على سياسة “الاحتجاز الإداري” التي تنتهجها إسرائيل بحق آلاف الفلسطينيين، والتي تتيح لها حبس أي شخص دون توجيه تهم أو محاكمة، في خرق سافر للقوانين الدولية.

توثيق بالدم… تشريح الجثث يكشف الحقيقة

لم تقتصر “الإندبندنت” على الشهادات الحية، بل حصلت على تقارير طبية وتشريحية لجثث معتقلين فلسطينيين فارقوا الحياة في السجون الإسرائيلية، وتظهر هذه التقارير نمطًا مرعبًا من الانتهاكات. 

في إحدى الحالات، كشف تقرير التشريح لمعتقل توفي في سجن “مجدو” في 13 نوفمبر/تشرين الثاني 2023، عن كدمات واسعة على الصدر والظهر والأرداف والذراعين والفخذ، بالإضافة إلى كسور في الأضلاع وآثار ضرب على الرأس والرقبة، هذه الإصابات لا تترك مجالًا للشك بأنها نتيجة اعتداءات متكررة وعنيفة.

وفي حالة أخرى، أظهر التشريح إصابات مميتة مثل تمزق الطحال وكسور متعددة، ما يؤكد تعرض الضحية لضرب عنيف وممنهج. ووفق التحقيق، فإن السبب المباشر للوفاة في حالات مشابهة كان نزيفًا داخليًا في الدماغ نتيجة للاستخدام المفرط للقيود، والضرب المتكرر على الرأس.

كما وثّقت الصحيفة حالات لحرمان المعتقلين من النوم، والعلاج، والغذاء، وحتى الماء. وذكرت شهادات حول “جلسات تعذيب ليلية” تبدأ بعد منتصف الليل وتنتهي فجراً، في محاولة لكسر الإرادة الفلسطينية. 

كما اشتمل التقرير على تفاصيل مؤلمة تتعلق بالعنف الجنسي، بما في ذلك استخدام أجسام صلبة وأدوات حادة، ما يُعد انتهاكًا صارخًا لأبسط المعايير الإنسانية والأخلاقية.

صمت دولي وتواطؤ رسمي… من المسؤول؟

رغم هذه الشهادات والتقارير، تصرّ إسرائيل، على لسان مسؤولي جيشها وإدارة سجونها، على أن جنودها “يعملون ضمن إطار القانون”، وأن “أي خروقات هي حوادث فردية واستثنائية”. 

لكن التحقيق يفنّد هذه الادعاءات، موضحًا أن الانتهاكات ليست محصورة في مكان أو زمن أو فئة معينة من السجناء، بل تشمل معتقلين مدنيين من مختلف الأعمار والخلفيات، وتحدث في منشآت رسمية خاضعة لرقابة الحكومة الإسرائيلية.

في هذا السياق، ذكّرت الصحيفة بحادثة شهيرة في أغسطس/آب 2024، حين تسرب مقطع فيديو يوثق اعتداء جنسيًا جماعيًا نفذه جنود إسرائيليون بحق أسير فلسطيني من غزة في مركز اعتقال “سدي تيمان”. 

وعلى الرغم من أن الفيديو أثار موجة غضب، إلا أن السلطات الإسرائيلية لم تحرك ساكنًا ولم يتم الإعلان عن أي محاسبة حقيقية للمجرمين.

ولم تكن هذه الحادثة الوحيدة، إذ أكد التحقيق أن الانتهاكات تتكرر بشكل خاص في سجن “عوفر” وقاعدة “سدي تيمان”، حيث يُحتجز المعتقلون لفترات طويلة دون إشراف قضائي. 

وفي 13 مارس/آذار الجاري، أصدرت لجنة التحقيق الدولية المستقلة التابعة للأمم المتحدة تقريرًا يؤكد أن الانتهاكات الإسرائيلية ضد الفلسطينيين منذ 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023 “تُشكّل عنصراً رئيسياً من الاضطهاد الممنهج بحق الفلسطينيين، وتندرج ضمن الاحتلال غير القانوني وسياسات الفصل العنصري”.

ولم تسلم الكوادر الطبية الفلسطينية من هذه الانتهاكات؛ فقد أكدت المحامية غيد قاسم، الموكّلة بالدفاع عن الدكتور حسام أبو صفية، مدير مستشفى كمال عدوان المعتقل، أن موكلها تعرّض لتعذيب شديد وتحقيقات قسرية ومحاولات انتزاع اعترافات ملفقة منذ لحظة اعتقاله، ما يثير القلق حول استهداف الاحتلال للنخبة الصحية والأكاديمية في غزة.

وفي موازاة هذه الجرائم، استأنفت إسرائيل عملياتها العسكرية الوحشية على غزة في 18 مارس/آذار الجاري، ما أدى إلى مقتل نحو 950 فلسطينيًا، بينهم أطفال ونساء، وإصابة أكثر من 2000، بحسب وزارة الصحة في القطاع. 

وتسببت الأوامر العسكرية بتهجير أكثر من 124 ألف فلسطيني مجددًا، في وقت أدى مئات الآلاف صلاة العيد فوق أنقاض المساجد، وسط غياب مظاهر الفرح والاحتفال.

آلة الاحتلال مستمرة… فهل من رادع؟

يكشف تحقيق “الإندبندنت” بوضوح أن إسرائيل لا تكتفي بإبادة الفلسطينيين من الجو، بل تمعن في إذلالهم وتعذيبهم في الزنازين. 

ومن المؤسف أن هذه الجرائم تتم وسط صمت دولي وتواطؤ غربي، على رأسه الدعم الأميركي غير المشروط.

لكنّ هذه الشهادات المسربة، والصور المسربة، وتقارير التشريح، باتت تمثل أدلة دامغة على وجود منظومة تعذيب ممنهجة تهدف إلى سحق الروح الفلسطينية قبل الجسد.

إن ما نراه اليوم ليس مجرد انتهاكات لحقوق الإنسان، بل هو جزء من سياسة الاحتلال الاستعماري القائم على التجريد من الإنسانية، وإبقاء الفلسطينيين في حالة دائمة من الخوف والعجز. ورغم ذلك، لا تزال أصوات المعتقلين تُسمع رغم محاولات كتمها، تفضح الجلاد وتكشف وحشية السجان.

فهل سيكتفي العالم بالإدانة، أم آن الأوان للمحاسبة؟

اقرأ أيضًا : “سفاح صيدنايا” و”عزرائيل المخابرات”.. قادة الرعب في قبضة الأمن