شهدت الضفة الغربية، تصعيدًا ميدانيًا جديدًا تمثّل في استشهاد الشاب محمد راجح نصر الله (20 عامًا) برصاص قوات الاحتلال خلال اقتحام بلدة الظاهرية جنوب مدينة الخليل. الاقتحام تخللته كثافة نيران وقنابل غاز داخل البلدة، ما أسفر عن إصابة شاب آخر وحالات اختناق واسعة بين الأهالي. مشهد الاقتحام، وفق شهود عيان، جاء دون إنذار، وبأسلوب عسكري عنيف يعكس نمطًا بات متكررًا في مدن وبلدات الضفة، حيث تتحول الأحياء السكنية إلى ساحات مواجهة مباشرة.

من الخليل إلى طولكرم: توسيع دائرة النار
لم يتوقف التصعيد عند الظاهرية، إذ أفاد الهلال الأحمر الفلسطيني بإصابة شخصين برصاص الاحتلال في مدينة طولكرم شمالي الضفة، مع احتجاز أحد المصابين. هذه الحوادث المتزامنة توحي بقرار ميداني بتوسيع نطاق الاشتباك، لا سيما في مناطق كانت تشهد توترًا متقطعًا، لتحويله إلى ضغط أمني دائم. ويقرأ مراقبون هذا التوسيع باعتباره رسالة ردع جماعية، لا تستهدف فصيلًا بعينه بقدر ما تستهدف البيئة الحاضنة برمتها.

اعتقالات جماعية ونهج الترهيب
على صعيد موازٍ، نفذت قوات الاحتلال حملة اعتقالات واسعة طالت عشرات الفلسطينيين في الخليل وقلقيلية وطوباس ونابلس. ففي محافظة الخليل وحدها، اعتُقل 12 مواطنًا بينهم سيدتان، عقب مداهمات للمنازل وتخريب محتوياتها. كما اعتقلت قوات الاحتلال 10 مواطنين من قرية إماتين شرق قلقيلية بعد اقتحام استمر ساعتين، بينما شهدت بلدة عقابا شمال طوباس اعتقال 17 مواطنًا أُفرج لاحقًا عن 8 منهم. هذه الاعتقالات، التي ترافقها عمليات تنكيل وتخريب، تؤكد اعتماد الاحتلال سياسة “الصدمة” لإرباك المجتمع المحلي وكسر أي قدرة على التنظيم أو الاحتجاج.

اعتداءات المستوطنين تحت الحماية
في جنوب الخليل، وتحديدًا في مسافر يطا، تواصلت اعتداءات المستوطنين على الفلسطينيين وممتلكاتهم، وسط حماية مباشرة من جيش الاحتلال. الهجمات شملت اعتداءات جسدية وإحراق ممتلكات واقتلاع نحو 300 شجرة زيتون، في استهداف واضح لمصادر الرزق والوجود الفلسطيني. اللافت أن طواقم الهلال الأحمر تعرضت للرشق بالحجارة أثناء محاولتها الوصول إلى المنطقة، ما يعكس مستوى الانفلات الذي يُدار بتغطية أمنية رسمية، ويحوّل المستوطنين إلى ذراع تنفيذية لسياسات التهجير.

حصار حزما: خنق الحياة شمال شرق القدس
بالتوازي، يواصل الاحتلال لليوم الثاني فرض حصار مشدد على بلدة حزما شمال شرق القدس المحتلة. جميع مداخل البلدة أُغلقت، وحُوّلت منازل إلى ثكنات عسكرية، مع مداهمات واسعة وتخريب متعمد وسرقات لأموال من داخل المنازل، إضافة إلى تفتيش الهواتف المحمولة. بلدية حزما حذّرت من أن هذه الإجراءات تُنذر بتصعيد يهدف إلى التضييق المنهجي ودفع السكان نحو الرحيل القسري. وإزاء استمرار الحصار، أعلنت مدارس البلدة إغلاق أبوابها حفاظًا على سلامة الطلبة، في مؤشر على شلل الحياة اليومية تحت وطأة الإجراءات العسكرية.

كفر عقب: هدم 70 منشأة في يومين
الأشد وقعًا كان ما شهدته بلدة كفر عقب شمال القدس المحتلة، حيث نفذت قوات الاحتلال عملية هدم واسعة طالت 70 منشأة خلال يومين في شارع المطار، بالتزامن مع نشر قناصة والاعتداء على صحفيين ومواطنين بقنابل الصوت والغاز. كفر عقب، التي يسكنها أكثر من 150 ألف فلسطيني يحمل معظمهم الهوية المقدسية، تُعدّ نموذجًا لسياسة “الضغط العمراني” التي تعتمدها تل أبيب لإعادة تشكيل الجغرافيا والديموغرافيا عبر الهدم والتهجير الصامت.

قطع الكهرباء واستهداف المؤسسات
وفي سياق خنق البنية الخدمية، قطعت سلطات الاحتلال الكهرباء عن معهد تدريب قلنديا التابع لوكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (أونروا) ومؤسسات الوكالة في مخيم شعفاط. هذا الإجراء، إلى جانب الاقتحامات المتكررة وإغلاق الطرق، يضاعف الأثر الإنساني ويستهدف المؤسسات التعليمية والإغاثية التي تشكل شريان حياة للفلسطينيين في محيط القدس.

سياق أوسع: ضفة تحت النار
تأتي هذه التطورات ضمن سياق تصعيد متواصل منذ بدء حرب الإبادة على قطاع غزة في السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023، حيث كثّف الاحتلال اعتداءاته في الضفة الغربية والقدس المحتلة. الحصيلة الثقيلة—أكثر من 1109 شهداء، ونحو 11,500 جريح، وما يزيد على 21 ألف معتقل—تعكس انتقالًا من إجراءات أمنية موضعية إلى سياسة شاملة تقوم على القتل والاعتقال والهدم والتهجير.
في المحصلة، ما يجري في الخليل وحزما وكفر عقب ليس أحداثًا منفصلة، بل حلقات في نهج واحد يهدف إلى فرض وقائع جديدة على الأرض، وتفريغ المناطق الفلسطينية من مقومات الصمود، عبر العقاب الجماعي وتفكيك المجتمع، في ظل صمت دولي يفاقم المأساة ويمنح الاحتلال هامشًا أوسع للمضي قدمًا.

اقرأ أيضًا : الحرب النفسية للمقاومة تُربك الداخل الإسرائيلي: خوف واكتئاب يتصاعدان في ظل حرب غزة