ما الذي فعلناه؟ سؤال طرحه الكاتب البريطاني أوين جونز في مقالته الصادمة بـ الغارديان، وهو سؤال لا بد أن يلاحق الضمائر – إن بقيت – في مكاتب رؤساء الحكومات الغربية، وفي مقدمتهم كير ستارمر، رئيس الوزراء البريطاني، الذي اجتمع مؤخرًا بدونالد ترامب، بينما كانت غزة تتلوى من الجوع في مشهد لم يعد يخفى على أحد.
جريمة تجويع غزة، كما يؤكد جونز، لم تكن خطأ عارضًا، ولا نتيجة ثانوية للحرب، بل قرارًا واعيًا، معلنًا، ومُصمَّمًا ومُنفَّذًا على مرأى من العالم. إسرائيل لم تُخفِ نواياها. وزير دفاعها يوآف غالانت قال في 9 أكتوبر 2023 بوضوح: “سنفرض حصارًا كاملًا على غزة: لا كهرباء، لا طعام، لا ماء، لا وقود… نحن نحارب حيوانات بشرية ونتصرف وفقًا لذلك.” وفي اليوم التالي، أضاف الجنرال الإسرائيلي غسان أليان: “مواطني غزة وحوش بشرية، سيواجهون دمارًا شاملًا. أردتم الجحيم؟ ستحصلون عليه.”
هذه التصريحات لم تكن مجرّد تهديدات، بل تحولت إلى سياسة متكاملة. قطع للكهرباء والماء والوقود، تدمير للأراضي الزراعية، إبادة للثروة الحيوانية، قصف للموانئ ومنع الصيد، وشن حرب منظمة على وكالة الأونروا وإسكات كل أشكال الإغاثة. في مارس 2024، فرضت إسرائيل حصارًا مطلقًا، واستبدلت النظام الإغاثي التابع للأمم المتحدة بجهاز أمني جديد هو “مؤسسة غزة الإنسانية”، الذي حوّل مواقع توزيع المساعدات إلى ساحات قنص ومذابح موثقة.
جونز يفضح التواطؤ الغربي الفاضح. لم يكن المسؤولون في بريطانيا أو أمريكا يجهلون ما يحصل، بل كانوا يعرفون بالتفصيل، ولديهم تقارير رسمية تثبت أن إسرائيل تمنع دخول المساعدات عمدًا، لكنهم اختاروا الصمت والتواطؤ. في مارس 2024، كتب وزير الخارجية البريطاني ديفيد كاميرون رسالة توثّق الخدع الإسرائيلية لمنع دخول المساعدات، دون أن تُتخذ أي خطوة حقيقية. وفي أبريل، خلصت وزارتان أمريكيتان إلى أن إسرائيل تعيق المساعدات عمدًا، ما كان يفترض أن يُوقف توريد الأسلحة الأمريكية فورًا، لكن الإدارات الأمريكية تجاهلت ذلك وأبقت على الدعم العسكري.
جريمة التجويع لم تقتصر على الحصار، بل شملت قتل من يسعى للحصول على الطعام. في فبراير 2024، أطلقت إسرائيل النار على مئات المدنيين المنتظرين للحصول على الطحين، وأكد تحقيق لـ CNN لاحقًا مسؤولية الجيش الإسرائيلي، لكن الإعلام العالمي كان قد تجاوز الواقعة كأنها لم تكن. أكثر من ألف فلسطيني قتلوا أثناء محاولاتهم الوصول إلى المساعدات، التي غالبًا ما تكون فاسدة أو غير قابلة للاستخدام، بسبب منع الغاز والماء. أما المنظومة الجديدة التي تديرها إسرائيل لتوزيع الطعام، فهي – بحسب الأمم المتحدة – تهدف إلى تجميع المدنيين في الجنوب تمهيدًا لترحيلهم، في خطة وصفتها جهات إسرائيلية بأنها “تحويل غزة إلى معسكر اعتقال”.
الغرب لم يكن فقط شريكًا صامتًا، بل مروجًا للأكاذيب. كرر ترامب مثلًا ادعاء أن “حماس تسرق الطعام”، رغم أن هذه المزاعم نفتها وكالة الغذاء العالمية بقيادة سيندي ماكين، حتى الجيش الإسرائيلي نفسه نفى وجود أدلة. الحقيقة – بحسب تقارير إسرائيلية – أن عصابات مسلحة مدعومة من إسرائيل، وبعضها على صلة بداعش، هي من تقوم بالنهب.
أما قادة الغرب، وعلى رأسهم كير ستارمر، فيواصلون التظاهر بالقلق بينما يدهم ملوثة. ستارمر، الذي دعم الحصار الإسرائيلي منذ اللحظة الأولى، بات اليوم يروّج لإسقاط المساعدات جواً، رغم أن هذه الطريقة قتلت فلسطينيين بالفعل وسجلت فشلًا في توصيل الغذاء، وتستخدم فقط كغطاء للتستر على جريمة التجويع الجماعي.
المجاعة في غزة ليست كارثة طبيعية، بل سلاح يستخدمه الاحتلال عمداً. والغرب – بسكوته وتواطئه – لا يمكنه التهرب من المسؤولية. الأدلة غمرت العالم لأكثر من 21 شهرًا، والجناة لم يختبئوا، بل تفاخروا بفعلتهم. اليوم، آلاف الجثث تحت الركام، وآلاف الأجساد الهزيلة تنتظر شفقة من لا يملكون شرف الوقوف مع الإنسانية.
وإذا لم تتحرك الشعوب، فالتاريخ – والمحاكم – ستتكفل بوصم كل من سهّل هذه المجزرة البطيئة.