في شهادة صادمة تكشف ما يجري خلف الواجهة اللامعة، يقدّم الصحفي نيك هاملتون رواية مباشرة من قلب دبي، يفضح فيها حجم الخوف الذي يخيّم على المدينة، ويكشف كيف تحولت إلى بيئة أمنية خانقة تُلاحق فيها الكاميرات قبل الصواريخ، وتُقمع فيها الحقيقة لصالح صورة مصطنعة. شهادة ترصد بدقة تفاصيل الرعب اليومي الذي يعيشه مئات الآلاف من السكان والمقيمين، وتكشف كيف يُدار المشهد إعلامياً لإخفاء ما يحدث فعلياً على الأرض.
وفيما يلي نص شهادته كاملة، كما نقلها، بوصف حيّ ومباشر لما يجري داخل دبي:
خوفٌ بطيءٌ يتسلل إلى الوجوه، قلقٌ مكتوم لا يغادر المكان، فيما تتحول المدينة إلى ما يشبه دولة أمنية أورويلية تعتقل الصحفيين في الشوارع. خلال الأسبوعين الماضيين، عملتُ من داخل دبي، وهذا ما رأيته.
كان هناك المزيد من السياح، بينهم عائلات مع أطفال صغار، توقفت عطلتهم الشتوية فجأة. لم يكن أحد يعرف إن كان سيتمكن من مغادرة البلاد على متن رحلة في ذلك اليوم، رغم أن كثيرين نجحوا لاحقاً في ذلك، وغادر الآلاف منذ ذلك الحين.
اللافت أن المطار – وهو أكثر المطارات ازدحاماً في العالم – ظل مفتوحاً رغم كل الظروف، واستمر في العمل منذ بداية الحرب. أمر يصعب تصديقه وفق معايير السلامة المعمول بها في أوروبا أو الولايات المتحدة. ربما كان الأمر مجرد حظ.
في وقت سابق من الأسبوع، أصابت طائرة مسيّرة انتحارية من طراز “شاهد” خزان وقود على بُعد أقل من ميل واحد من مبنى المطار. أُغلق المطار لمدة ست ساعات، وتم تحويل طائرات كانت في طريقها من أماكن بعيدة مثل أستراليا، وأُوقفت جميع الرحلات المغادرة.
ومع ذلك، وبينما كنا نقترب من موقع الحريق الضخم، حيث يكافح رجال الإطفاء المنهكون وسط دخان أسود كثيف، كانت طائرة تابعة لشركة “طيران الإمارات” تقلع في السماء كما لو أن الأمر مجرد رحلة عادية في صباح يوم عمل.
بعد أسبوعين من العمل الصحفي في دبي – باستخدام اسم مستعار لأسباب سأذكرها لاحقاً – يبقى الانطباع ذاته الذي تكوّن لديّ بعد زيارات سابقة: هذه المدينة غير قابلة للتصديق.
خذ مثلاً الرسائل التي يتم ضخها عبر نحو 50 ألف مؤثر، كثير منهم بريطانيون، يشكّلون ما يشبه جيش دعاية سري يردد وسم “دبي آمنة” بينما كانت الذخائر القاتلة تتساقط من السماء. والمفارقة أن عدداً من هؤلاء المؤثرين أنفسهم غادروا البلاد بهدوء، مدّعين أن رحلاتهم كانت مخططة مسبقاً.
لا يعني ذلك أن أنظمة الدفاع الجوي الإماراتية لم تحقق نجاحاً في اعتراض الصواريخ والطائرات المسيّرة، لكن يكفي أن يخترق واحد فقط هذه الدفاعات – وقد حدث ذلك بالفعل – ليؤدي إلى كارثة حقيقية، سواء باستهداف حافلة أو مبنى سكني.
هذه المدينة الغريبة، التي تضم منحدراً للتزلج بالثلج داخل مركز تجاري ضخم، تجمع بين مبانٍ مستقبلية شاهقة ومساكن مزدحمة لآلاف العمال المهاجرين ذوي الأجور المتدنية. في العلن، يظهر المؤثرون ببشرة مصطنعة وأسنان ناصعة يروّجون لنظام بلا ضرائب، بينما من يجرؤ على انتقاد الحكومة أو القوانين أو حتى الثقافة المحلية قد يواجه مصيراً قاسياً.
تحدث زوار سابقون عن التعذيب داخل السجون ومراكز الشرطة، كما أن عدد الأجانب الذين يجدون أنفسهم محتجزين في دبي كبير إلى درجة أن هناك منظمة كاملة تحمل اسم “محتجزون في دبي” أُنشئت لمساعدتهم.
خلال فترة وجودنا، شددت السلطات موقفها تجاه أي شخص ينشر صوراً للصواريخ أو الطائرات المسيّرة أو اعتراضها. تم اعتقال أكثر من مئة شخص، بينهم سائح بريطاني، ووجهت إليهم تهم نشر هذه المعلومات، وقد يواجهون السجن لمدة تصل إلى عام وغرامات كبيرة.
حتى عائلة تعرض منزلها للقصف تم اعتقالها بسبب إرسال صور الأضرار إلى أقاربها في الخارج.
لهذا السبب قررت أنا وزميل لي عدم نشر أسمائنا على التقارير التي كتبناها، حتى لا نكون ضمن قائمة الأجانب الذين يتم اعتقالهم.
وسائل إعلام أخرى لم تنجُ من هذا المصير، إذ تم اعتقال فريق تصوير تلفزيوني أثناء تسجيل تقرير في الشارع، كما أجبرت الشرطة مصورين على حذف صورهم، واقتيد بعضهم إلى مركز شرطة “بر دبي” سيئ السمعة.
مكتب دبي الإعلامي، الذي نادراً ما يرد على استفسارات الصحفيين، كثّف نشاطه خلال هذه الفترة، مطمئناً الجميع بأن “كل شيء على ما يرام”. في دولة تُشبه نموذج أورويل، يوجد حتى “وزير للسعادة” مع وزارة كاملة.
حتى عندما تسبب هجوم بطائرة مسيّرة بسحابة كثيفة من الدخان قرب مطار دبي، أصر المكتب الإعلامي على أنه “لم يحدث أي شيء”، فقط لأنه لم تقع إصابات.
وعندما تقع إصابات أو وفيات، يتم الإسراع في الإعلان عن جنسية الضحايا، مثل “باكستاني” أو “بنغلاديشي” أو “فلسطيني”، في إيحاء واضح بأن قيمة حياتهم أقل، وهو أمر يدركه جيداً العمال المهاجرون الذين يشكلون العمود الفقري لهذه المدينة.
غالباً ما يحتفظ أرباب العمل بجوازات سفر هؤلاء العمال طوال فترة عملهم، كما أن إقامتهم مرتبطة بوظائفهم بشكل كامل. في أوقات الازدهار، تم استقدامهم بأعداد هائلة، أما الآن، فقد شاهدت مئات منهم في المطار يغادرون البلاد، بعضهم ليس بإرادته.
أحد العاملين في فندق من كراتشي أخبرني أنه أُجبر على أخذ إجازته المدفوعة الآن، سواء أراد ذلك أم لا، ولا يعلم إن كان سيتمكن من العودة إلى عمله لاحقاً.
آخرون سُمح لهم بالبقاء، لكن رواتبهم خُفضت، ولم يعد لديهم ما يكفي لإرساله إلى عائلاتهم، رغم أن هذا كان السبب الرئيسي لقدومهم إلى دبي.
في ممشى “ذا ووك” في منطقة جميرا بيتش ريزيدنس، حيث المطاعم الفاخرة ونوادي الشاطئ، تتضح الصورة بشكل أكبر. ليست حالة هلع تدفع الناس إلى الملاجئ، بل خوف بطيء يتسلل مع إدراك أن المستقبل غير واضح.
يمكن رؤية ذلك في وجوه العاملين الذين يقفون أمام أماكن شبه خالية، بينما تبقى المظلات مغلقة والكراسي فارغة. الموسيقى مستمرة، لكن لا أحد يستمع.
هناك أيضاً موظفو المبيعات الذين يرتدون ملابس رسمية أنيقة، يجلسون في أكشاك صغيرة مكيفة، يحاولون جذب مستثمرين إلى سوق العقارات “المزدهر”، لكن دون زبائن، يحدقون في الفراغ، بينما تبدو صور الشقق الفاخرة التي يعرضونها بعيدة عن الواقع.
في الأيام الأولى للأزمة، حاول البعض الهروب عبر رحلات برية طويلة إلى عُمان أو السعودية، فيما دفع آخرون مبالغ طائلة للهرب عبر طائرات خاصة، وصلت إلى 150 ألف جنيه إسترليني.
لكن، رغم ذلك، لم تتحول المدينة إلى مشهد فوضوي كامل. كثيرون فضلوا البقاء في فنادقهم الفاخرة بدلاً من المخاطرة بالسفر البري، ما يعكس مزيجاً من القلق والإنكار.
أما المقيمون الذين قرروا البقاء، فيبدو أن دافعهم الرئيسي هو غياب البدائل. آلاف غادروا بالفعل، بينما أخلت مؤسسات مالية غربية موظفيها، خاصة بعد تهديدات باستهداف شركات مرتبطة بالولايات المتحدة.
الأزمة كشفت أيضاً هشاشة موقع الإمارات الجغرافي، واعتمادها على الاستقرار الإقليمي، خاصة مع سيطرة إيران على مضيق هرمز، أحد أهم ممرات النفط في العالم.
أحد المقيمين البريطانيين قال لي: “هذا المكان كان منزلي لعشرين عاماً. نعم، نحن قلقون، لكننا نأمل أن تتعافى دبي. لا أريد العودة إلى بريطانيا بعد كل هذه السنوات”… لكنني أؤكد أنه مع استمرار الأزمة، فإن هذا التفاؤل أقرب إلى الوهم، تماماً كأفق المدينة الذي لطالما بدا غير واقعي.