نشرت صحيفة الغارديان تقريرًا خطيرًا يكشف عن انتهاكات جسيمة تمارسها قوات حرس الحدود السعودية ضد المهاجرين الإثيوبيين الذين يحاولون العبور من اليمن إلى السعودية بحثًا عن فرص عمل، وبحسب الصحيفة اعتمد التقرير على شهادات صادمة لمهاجرين نجوا من عمليات القتل الجماعي، حيث وصفوا إطلاق نار كثيف من المدافع الرشاشة، ورؤية جثث متحللة متناثرة في المناطق الحدودية، فضلًا عن تعرض النساء الإثيوبيات للاغتصاب من قبل رجال يرتدون زي حرس الحدود السعودي.

وفقًا لما أوردته الصحيفة، فقد قدم مهاجرون إثيوبيون شهادات موثقة حول هذه الجرائم، منذ عام 2019 حتى 2024، حيث أفاد أحد الناجين بأنه كان جزءًا من مجموعة حاولت العبور إلى السعودية في عام 2022، لكنه تعرض مع رفاقه لوابل من الرصاص، مما أدى إلى بتر إحدى ساقيه. وقال المهاجر: “شاهدت بأم عيني ثلاثة أشخاص يموتون بجواري، وكانت الأشلاء متناثرة في كل مكان.” مهاجر آخر تحدث عن إصابته بشظايا في ساقه وظهره نتيجة القصف، بينما وصف ثالث مشهدًا مروعًا لاغتصاب ثلاث نساء إثيوبيات من قبل رجال في زي رسمي سعودي. آخرون تحدثوا عن الضرب والاعتداءات الجنسية، مما يعكس حجم الانتهاكات التي يتعرض لها هؤلاء المهاجرون.

ومن بين الشهادات، أوردت الصحيفة قصة مهاجر حاول العبور في يناير/كانون الثاني 2023، حيث وصف رحلته بأنها “مرعبة بشكل لا يصدق.” وأكد أنه مر بجثث متحللة نهشتها الحيوانات، بينما استمر حرس الحدود السعوديون في إطلاق النار عليهم أثناء محاولتهم عبور التضاريس الوعرة. وأضاف: “رأيت شابتين تُطلق عليهما النيران، إحداهما أصيبت في الصدر والأخرى في مؤخرة العنق، وماتا على الفور. حاول البعض الفرار فسقطوا من منحدر، بينما أُصيب آخرون بالرصاص أو وقعوا في قبضة الجنود السعوديين، ولا نعلم مصيرهم بعد ذلك.”

وتدعم هذه الشهادات ما ورد في تقرير نشرته هيومن رايتس ووتش في أغسطس/آب 2023، حيث أكدت المنظمة أن قوات حرس الحدود السعودية قتلت مئات المهاجرين الإثيوبيين وطالبي اللجوء على الحدود الجنوبية للمملكة بين مارس/آذار 2022 ويونيو/حزيران 2023. وذكرت المنظمة أن عمليات القتل تمت بشكل “واسع النطاق ومنهجي” باستخدام أسلحة نارية ومتفجرات، ورجحت أن تكون هذه الجرائم ترقى إلى مستوى جرائم ضد الإنسانية.

من بين الحالات التي وثقتها هيومن رايتس ووتش، حادثة تم فيها إجبار فتى إثيوبي مراهق على اغتصاب فتاتين بعد أن نجا مع مجموعته من هجوم بالقذائف، وذلك بعدما رفض مهاجر آخر تنفيذ الجريمة. كما وثقت المنظمة وقائع مرعبة أخرى، حيث تم إجبار مهاجرين إثيوبيين على اختيار مكان في أجسادهم ليتم إطلاق النار عليه من مسافة قريبة.

وحول هذه الجرائم، قالت ناديا هاردمن، مؤلفة تقرير هيومن رايتس ووتش، في حوار مع الغارديان إن هناك “ثقافة الإفلات التام من العقاب” على الحدود السعودية، مؤكدة أن الحجم الحقيقي لهذه المجازر لا يزال غير معروف بسبب غياب أي رقابة دولية أو وصول مستقل إلى هذه المناطق. وأشارت إلى أن السعودية تستغل نفوذها المالي لشراء الصمت الدولي، مضيفة: “السعودية تستخدم المال لتأمين نفوذ دبلوماسي، العالم يستمر في التعامل معها بغض النظر عما تفعله. ما لم تتخذ الدول موقفًا حازمًا ضد هذه الانتهاكات، فإنها ستستمر بلا توقف.”

تحتضن السعودية ما يقارب 750,000 مهاجر إثيوبي، يُعتقد أن أكثر من نصفهم دخلوا البلاد بطرق غير شرعية. ويخوض هؤلاء المهاجرون رحلة محفوفة بالمخاطر، حيث يعبرون الصحارى ويخوضون رحلات بحرية خطيرة، معرضين لخطر الاختطاف على يد عصابات تهريب البشر والمجموعات المسلحة المتمركزة في اليمن. وبعد وصولهم إلى السعودية، يواجهون استغلالًا شديدًا في أعمال وضيعة، بأجور منخفضة في قطاعات البناء والزراعة والخدمات المنزلية.

وذكرت الغارديان أن السعودية كثّفت في السنوات الأخيرة عمليات ترحيل المهاجرين غير الشرعيين، حيث شنت حملات أمنية لاعتقال عشرات الآلاف منهم وإعادتهم إلى إثيوبيا. كما أن المملكة، التي تستعد لاستضافة كأس العالم 2034 وتشييد 11 ملعبًا جديدًا، تخضع لمزيد من التدقيق الدولي بشأن معاملة العمال المهاجرين.

ورغم تزايد التقارير الحقوقية، لا توجد أي مؤشرات على أن السعودية أوقفت عمليات القتل بحق المهاجرين الإثيوبيين. ففي ديسمبر 2024، كشف أحد المهاجرين عن تعرضه مع مجموعة من عشرة أشخاص لهجوم من قبل قوات حرس الحدود السعودية باستخدام المدافع الرشاشة والمدفعية أثناء محاولتهم العبور من مستوطنة الرقو اليمنية، مما أدى إلى إصابة أحدهم بجروح.

أحد المهاجرين الذين خاضوا هذه التجربة القاسية تحدث عن رحلته من إثيوبيا إلى السعودية، حيث تعرض للاختطاف والتعذيب على أيدي المهربين حتى دفع أهله فدية لإطلاق سراحه. وبعد الإفراج عنه، اضطر للعمل في تهريب البضائع عبر الحدود لسداد ديونه. وقال: “في كل رحلة كنت أرى جثثًا متناثرة، خمس جثث هنا، اثنتان هناك. كان ذلك مشهدًا معتادًا، بعض الجثث جديدة، والبعض الآخر متحلل بالكامل.”

مهاجر آخر تحدث من داخل السعودية، مشيرًا إلى أنه حاول عبور الحدود أربع مرات بين عامي 2021 و2023، وكان يتعرض لإطلاق النار في كل محاولة. وفي مايو 2023، تم اعتقاله مع مجموعة من النساء، وذكر أن ثلاثة منهن تعرضن للاغتصاب من قبل حرس الحدود، قبل أن يتم إعادتهم قسرًا إلى اليمن. في محاولته الرابعة، نجح في العبور وهو الآن يعمل راعيًا للماعز في السعودية مقابل 800 ريال سعودي شهريًا، يرسل معظمه إلى أسرته في إثيوبيا.

وأضاف هذا المهاجر أنه يعيش في رعب دائم، قائلًا: “لا أستطيع القول إنني أعيش. في أي لحظة قد تعتقلني السلطات السعودية أو تقتلني. لا أنام بسلام، دائمًا أشعر أنهم سيأتون لأخذي. يمكنني القول إن الحياة في السعودية جحيم على الأرض.”

وأكدت الصحيفة في ختام تقريرها أنها حاولت الحصول على تعليق من السلطات السعودية بشأن هذه الانتهاكات الجسيمة، لكنها لم تتلق أي رد.