كانت الزيارة الدبلوماسية التي قام بها نائب رئيس الوزراء الجزائري رمضان لعمامرة، إلى موسكو محطة لا غنى عنها، بعد أن واجه النظام ثورة شعبية على نطاق غير مسبوق، ارتبطت برغبة الرئيس عبد العزيز بوتفليقة في ترشيح نفسه مجددا لولاية خامسه قبل إعلانه التخلي عن ذلك وتأجيل الانتخابات الرائسية.
لكن نتائج زيارة ممثل القوى الجزائرية التي تعاني من اضطرابات إلى موسكو كانت ضعيفة، حيث قال رئيس الدبلوماسية الروسية سيرجي لافروف الثلاثاء 19 مارس إنه “قلق للغاية” من الموقف على الأرض، بينما أعلن دعمه للحكومة الجزائرية وحذر المجتمع الدولي من أي تدخل في الجزائر.
وقالت صحيفة “لوريون لو جور” تستخدم موسكو خطابها المعتاد المتمثل في عدم التدخل في الشؤون الداخلية، بينما تبقى في الوقت الحالي تقيس دعمها، فبحسب جان – سيلفستر مونجرينيه، المتخصص في الشأن الروسي والباحث في المعهد الفرنسي للجغرافيا السياسية (Paris-VIII “الصمت الروسي بالتأكيد لا يعني عدم الاهتمام من جانب موسكو، ولا شكلاً من أشكال القلق أو الجبن. فالدعم العام قد يؤدي إلى نتائج عكسية ويمكن أن يعرض بقاء نظام يمثل شريكًا استراتيجيًا مهمًا للخطر”.
فالعلاقات بين الجزائر وروسيا هي بالفعل علاقات تاريخية وثيقة للغاية، تشكلت خلال سنوات حرب الاستقلال (1954-1962) عندما قدم الاتحاد السوفيتي السابق دعمه السياسي لجبهة التحرير الوطني، وبمجرد تحقيق الاستقلال، قدمت الجزائر نفسها على أنها “جمهورية ديمقراطية شعبية” واستعانت بالخبرة الروسية لبناء الدولة.
أدى انهيار الاتحاد السوفيتي والحرب الأهلية التي دمرت الجزائر في التسعينيات إلى فتور العلاقات الروسية الجزائرية لمدة عقد. وعادت للانتعاش مرة أخرى بعد تولي عبد العزيز بوتفليقة السلطة عام 1999 وتم تعزيزها في ظل رئاسة فلاديمير بوتين.
من جهته يرى مارك إن كاتز، المتخصص في علاقات روسيا – والشرق الوسط بجامعة جورج ميسون في فرجينيا أن ” موسكو تعتبر الجزائر نموذجًا للحكومة العربية التي تمثل ما ترغب روسيا في رؤيته بجميع أنحاء الشرق الأوسط”. فهذا البلد شريك اقتصادي وسياسي مستقر في منطقة شهدت العديد من تغييرات المفاجئة للأنظمة.
كما أن الجزائر مستورد تاريخي للأسلحة الروسية، بسبب إحجام الدول الغربية عن توفير الأسلحة المطلوبة، من عام 1962 إلى عام 1989، أنفقت الجزائر حوالي 11 مليار دولار على شراء الأسلحة الروسية، ووفقًا لآخر تقرير نشره المعهد الدولي لبحوث السلام (Sipri) في مارس 2019 ، كما تظل الجزائر ثالث أكبر مستورد لـ الأسلحة الروسية على مستوى العالم.
الإرادة الشعبية
فالدب الروسي لديه كل السباب التي تجعله مهتما بألا ينهار النظام الجزائري، لقد فعل الكرملين الكثير من خلال إقامة شراكة دبلوماسية واقتصادية وقبل كل شيء استراتيجية في الجزائر، حيث أصبحت روسيا أكثر وضوحًا.
ويوضح جان – سيلفستر مونجرينيه “من المؤكد أن الأمر ليس بالنسبة لهم الرهان على التجديد الشامل، ولكن دعم نظام السلطة الحالي. ضمان دعمه دبلوماسيا في الأمم المتحدة، في حالة قمع الحركة الاحتجاجية والتهديد بفرض عقوبات الدولية، إن الطبيعة العميقة لروسيا بوتين هي دعم هذا النوع من الأنظمة الاستبدادية وحتى الديكتاتورية”.
لقد أظهرت روسيا في السنوات الأخيرة ، خاصة بسبب تدخلها العسكري في سوريا، أنها موالية لحلفائها وترفض التخلي عن مواقعها المتقدمة في العالم العربي، ويقول ألكسندر كاتب، الاقتصادي والمحاضر في ساينس بو باريس: “لا ينبغي أن نستنتج، مع ذلك، أن روسيا تدعم السلطة وتغض النظر عن تطور الحركة السياسية والشعبية”.
ويضيف “من خلال وزير خارجيتها، أبدت روسيا دعمها للشعب الجزائري واحترام الدستور، وهو ما يمكن قراءته بين السطور باعتباره دعوة لاحترام الإرادة الشعبية، التي تدعو إلى رحيل الرئيس بوتفليقة من النهاية الرسمية لفترته في 28 أبريل 2019 “.
يبدو أن روسيا تريد أن تدافع عن الانتقال السلس، والذي لن يؤثر في علاقاتها المتميزة مع الجزائر، وهذا من شأنه أن يمنع الوضع من التدهور، تطور في النموذج الروسي: فريق سياسي يتجدد بسبب تغيير النخبة التي يريدها الكرملين.
ويلخص مارك إن كاتز المسألة بالقول: يشعر بوتين بأنه يجب أن يكون هناك تغيير في الأجيال، باستثناءه بالطبع، إنه يدرك الحاجة إلى التجديد الذي سيكون وسيلة لتعزيز النظام القائم، ولا يوجد شك في أن روسيا ستدعم أي ترتيب جديد تقترحه الحكومة على الشعب الجزائري.
طالع النص الأصلي للتقرير من المصدر عبر الضغط هنا