تشهد الساحة القضائية في مصر حالة توتر غير مسبوقة، بعد تحركات عاجلة داخل نادي القضاة اعتراضًا على ما تردد عن سحب ملف تعيينات أعضاء النيابة وترقيات القضاة من يد الهيئات القضائية، ونقله إلى الأكاديمية العسكرية. هذا التحرك، الذي تُوّج بدعوة إلى جمعية عمومية غير عادية مطلع فبراير المقبل، يعكس غضبًا مكتومًا داخل واحدة من أقدم مؤسسات الدولة، ويكشف عن صدام مباشر مع السلطة التنفيذية بقيادة عبد الفتاح السيسي.
الخطوة المقترحة لا تتعلق بإجراء إداري عابر، بل تمس جوهر استقلال القضاء، إذ تعني عمليًا إخضاع مسار التعيين والترقية لمنظومة عسكرية، في قطيعة واضحة مع الأعراف الدستورية التي منحت الهيئات القضائية حق إدارة شؤونها بنفسها.

اجتماع طارئ ورسائل تصعيد
الاجتماع الحاشد الذي عُقد في مقر نادي القضاة بالقاهرة، بحضور شيوخ القضاة ورؤساء المحاكم، حمل دلالات سياسية وقانونية ثقيلة. فرغم غياب بيان رسمي يكشف تفاصيل الخلاف، جاءت لغة النادي حادة، مؤكدة عدم التهاون في الدفاع عن استقلال القضاء، وواصفة المرحلة بأنها “دقيقة” وتتطلب اصطفافًا كاملًا خلف النادي.
الدعوة إلى جمعية عمومية غير عادية تمثل، في السياق القضائي المصري، أعلى درجات التصعيد، ورسالة واضحة بأن القضاة يعتبرون ما يجري تهديدًا وجوديًا لمكانتهم ودورهم، وليس مجرد خلاف حول آليات تدريب أو تأهيل.
عسكرة الدولة من بوابة القضاء
التوسع المتسارع في دور الأكاديمية العسكرية لم يعد يقتصر على تدريب الضباط أو حتى تأهيل موظفين مدنيين، بل بات يمتد إلى مفاصل شديدة الحساسية، من بينها القضاء. تحويل الأكاديمية إلى بوابة إلزامية للتعيين والترقية يعني إخضاع القضاة لمنطق “الولاء والانضباط” العسكري، بدل معايير الكفاءة والاستقلال.
هذا التوجه لا يمكن فصله عن مسار أوسع يتبعه النظام الحالي، يقوم على عسكرة المجال العام وإعادة هندسة مؤسسات الدولة، بحيث تخضع جميعها – تشريعية، تنفيذية، وقضائية – لإرادة مركزية واحدة. في هذا السياق، يبدو القضاء آخر القلاع التي لم تُستكمل السيطرة الكاملة عليها بعد.
الدستور في مواجهة القرار السيادي
ينص الدستور المصري بوضوح على استقلال السلطة القضائية، ومنح الجهات القضائية حق إدارة شؤونها، وضمان عدم قابلية القضاة للعزل. لكن ما يُطرح اليوم، وفق ما تسرّب من داخل الاجتماعات، يتعارض جذريًا مع هذه النصوص، ويعيد تعريف العلاقة بين السلطات الثلاث لصالح السلطة التنفيذية.
وصف القرار بأنه “سيادي” لا يلغي كونه تصادمًا مباشرًا مع الدستور، بل يؤكد منطق الحكم القائم على تغليب الأمر الواقع على النصوص القانونية، وتحويل الدستور إلى وثيقة شكلية بلا أثر فعلي.
ذاكرة الصدامات القديمة
تاريخ العلاقة بين القضاء والسلطة في مصر حافل بالصدامات، من “مذبحة القضاة” في عهد عبد الناصر، إلى الإقالات والعقوبات بعد 2013. غير أن المفارقة اليوم تكمن في أن هذا الصدام يأتي مع نظام قدّم نفسه لسنوات كحليف للقضاة، وحرص على استمالتهم بالامتيازات المادية والدعم المعنوي، مقابل دور سياسي وأمني لعبه القضاء في تثبيت أركان الحكم.
لكن تعديلات ما بعد 2019، التي نزعت صلاحيات أساسية من الهيئات القضائية ومنحت رئيس الجمهورية سلطة مباشرة في التعيينات العليا، مهّدت الطريق للحظة الانفجار الحالية.
غضب بلا سند شعبي
رغم خطورة ما يجري، فإن رد الفعل الشعبي يبدو باهتًا، بل مشوبًا بشيء من الشماتة. قطاع واسع من المجتمع يرى أن القضاء فقد حياده منذ 2013، وتحول إلى أداة قمع شرعنت الاعتقالات والأحكام القاسية، ما أفقده رصيده الأخلاقي.
هذه الشماتة، رغم فهم دوافعها النفسية، تحمل خطرًا جسيمًا؛ إذ إن سقوط استقلال القضاء لا يعني معاقبة القضاة فقط، بل يعني تجريد المجتمع بأكمله من آخر آلية يمكن أن تحد – ولو جزئيًا – من تغول السلطة.
هل يغامر النظام بمذبحة جديدة؟
الحديث عن احتمال معاقبة أو عزل قضاة يقودون هذا التحرك يظل حاضرًا في الكواليس، لكن اتساع رقعة الغضب داخل الأندية القضائية بالمحافظات يجعل هذا الخيار مكلفًا سياسيًا. ومع ذلك، فإن سجل النظام يشير إلى أنه لا يتردد في التضحية بالمؤسسات إذا رآها عقبة أمام مشروعه للسيطرة الكاملة.
السيناريو الأقرب، وفق تقديرات قانونيين، هو محاولة احتواء الأزمة عبر تفاهمات شكلية، دون تراجع حقيقي عن جوهر القرار، في إطار سياسة “الخطوة للأمام ونصف خطوة للخلف”.
السيسي وتفكيك مؤسسات الدولة
ما يجري داخل القضاء لا يمكن فصله عن صورة أشمل: عبد الفتاح السيسي لا يكتفي بإضعاف المؤسسات، بل يعمل على تفكيكها وإعادة تركيبها وفق منطق الولاء العسكري. البرلمان جرى تدجينه، الإعلام أُخضع، النقابات جُوّفت، والآن يأتي الدور على القضاء.
بهذا المسار، تتحول الدولة من منظومة مؤسسات متوازنة إلى جهاز واحد هرمي، تُدار فيه العدالة بالتعليمات، وتُختزل فيه فكرة الدولة الحديثة إلى إرادة الحاكم. صدام نادي القضاة مع هذا التوجه ليس دفاعًا عن امتيازات فئوية فقط، بل لحظة كاشفة لمسار تدمير ممنهج لمؤسسات الدولة، قد يدرك الجميع فداحته بعد فوات الأوان.
اقرأ أيضًا : وزير الدفاع الصومالي: السيادة خط أحمر وإلغاء الاتفاقيات مع الإمارات رسالة حاسمة