في صدمة هزت النظام الإماراتي وأعادت تسليط الضوء على انخراط النظام الإماراتي في النزاع السوداني، قُتل أربعة ضباط إماراتيين رفيعي المستوى وأصيب تسعة آخرين في غارة جوية نفذها سلاح الجو السوداني على مطار نيالا، الذي تسيطر عليه قوات الدعم السريع في ولاية جنوب دارفور.
ورغم أن وزارة الدفاع التابعة للنظام الإماراتي حاولت التعمية على المصيبة وأصدرت بيانًا مقتضبًا أكدت فيه سقوط الضباط الأربعة أثناء أداء “الواجب” دون تحديد مكان أو طبيعة المهمة، إلا أن تزامن هذا الإعلان مع إعلان الجيش السوداني وتحقيقات مواقع مستقلة أكدت مجددا ضلوع الإمارات عسكريًا في الميدان السوداني، بشكل مباشر يتجاوز النفي التقليدي لحيادها المزعوم.
الضربة التي أربكت النظام الإمارتي
في الأسبوع الأول من مايو 2025، شنّ الجيش السوداني غارة جوية مركزة على مطار نيالا، مستهدفًا طائرة شحن عسكرية كانت على وشك الإقلاع. وتفيد تقارير من موقع “PassBlue” الأميركي المتخصص في شؤون الأمم المتحدة، أن الغارة السودانية أسفرت عن مقتل 4 ضباط إماراتيين، تطابق عددهم مع بيان القوات المسلحة الإماراتية.
المطار كان يُستخدم من قبل قوات الدعم السريع كمركز عمليات خلفي ولوجستي، وقد رُصدت فيه خلال الشهور الأخيرة نشاطات جوية مشبوهة لطائرات شحن يُعتقد أنها تحمل أسلحة ومعدات عسكرية، مصدرها المباشر النظام الإماراتي.
مطار نيالا… القاعدة الخلفية للدعم الإماراتي
مطار نيالا تحوّل خلال عام 2024 إلى شريان لوجستي رئيسي لقوات الدعم السريع، بدعم مباشر من الإمارات. كشفت صور أقمار صناعية بين يناير وفبراير 2025 عن وجود حظائر طائرات جديدة، ومنشآت تخزين، وطائرات مسيّرة من طراز CH-95 الصينية.
تشير التحليلات العسكرية إلى أن هذه الدرونات وصلت إلى السودان عبر جسر جوي من مطارات إماراتية. كما تحدثت تقارير استخباراتية عن وصول طائرات شحن عسكرية إلى نيالا خلال أيام قليلة سبقت الغارة، يُعتقد أن إحداها هي التي تم استهدافها وتدميرها بالكامل.
قتلى سبتمبر… السيناريو الذي تكرر
ليست هذه الحادثة الأولى من نوعها. ففي سبتمبر 2024، أعلنت الإمارات أيضًا عن مقتل 4 جنود وإصابة 9 في “حادث أثناء أداء الواجب”. مصادر سودانية رجّحت وقتها أن الجنود قُتلوا في ضربة جوية للجيش السوداني على مطار نيالا. ويبدو أن السيناريو ذاته تكرر في مايو 2025، ما يعكس استمرار الدعم الإماراتي لقوات حميدتي، رغم الفشل المتكرر في التغطية عليه.
النظام الإماراتي .. دعم لوجستي وتمركز ميداني
ما بعد الضربة كشف أن الوجود الإماراتي في السودان تجاوز حدود الدعم الفني أو الاستخباراتي، ليشمل تواجدًا ميدانيًا مباشرًا لعسكريين إماراتيين في نيالا. رجّحت مصادر أن القتلى الأربعة الذين نعتهم وزارة الدفاع الإماراتية كانوا يُشغّلون منظومات مسيّرة أو معدات دفاع جوي لصالح قوات الدعم السريع.
كما أفادت تسريبات إعلامية بوجود مرتزقة أجانب يعملون لصالح الدعم السريع بتمويل إماراتي، بينهم مقاتلون من أميركا الجنوبية. في هذا السياق، تشير الخبرات السابقة للإمارات إلى استخدامها شركات أمنية ومرتزقة في اليمن وليبيا، ما يرجّح أن ما يحدث في السودان جزء من نمط متكرر.
رد فعل الجيش السوداني
في بيانه الرسمي، أكد الجيش السوداني استهداف طائرة شحن “لدولة أجنبية” كانت تحمل إمدادات عسكرية لمليشيا متمردة. ومع أن البيان لم يحدد اسم الدولة، إلا أن التسريبات التي سمح بها الجيش أوضحت لاحقًا أن المقصود كان الإمارات.
وبحسب محللين سودانيين، فإن الضربة كانت بمثابة تحذير مباشر للنظام الإماراتي، ورسالة بأن خطوط الدعم التي توفرها أبوظبي للمتمردين لن تمر دون تكلفة. وقد وصفت شخصيات سودانية بارزة ما حدث بأنه “فرصة لوضع دور الإمارات التخريبي تحت المجهر الدولي”.
الصمت من النظام الإماراتي
اللافت أن البيان الإماراتي اكتفى بنعي القتلى دون أي إشارة لمكان أو طبيعة الوفاة، واصفًا ما حدث بأنه “حادث خلال أداء الواجب”. هذا التعتيم الإعلامي يتسق مع سياسة الإنكار التي ينتهجها النظام الإماراتي كلما تورطت قواته أو وكلاؤه في صراعات خارجية.
في خلفية المشهد، كشفت مصادر دبلوماسية أن مسؤولًا أمنيًا إماراتيًا رفيعًا زار إفريقيا الوسطى بعد الحادثة، لترتيب نقل الجثامين بهدوء والتأكد من محو أي أثر ميداني يدل على التورط. كما شملت زيارته مراجعة منظومة الدعم للدعم السريع بعد فشل تأمين الحماية الكافية للوجود الإماراتي في نيالا.
الدعم السريع يحاول التملص
من جانبه، نفى الدعم السريع حصوله على دعم خارجي مباشر، وادعى أن من يمتلك الطائرات المسيّرة هو الجيش السوداني نفسه. لكن الوقائع الميدانية، وتحليل مسارات الإمداد، وتكرار استهداف مواقع مرتبطة بالإمارات، تجعل من هذا النفي محاولة مكشوفة للتغطية على العلاقة الوثيقة بين حميدتي وأبوظبي.
النظام الإماراتي والدعم السريع
العلاقة بين النظام الإماراتي وقوات الدعم السريع لم تبدأ مع حرب 2023. فقد استخدمت أبوظبي مقاتلي حميدتي في اليمن سابقًا، واشترت منه الذهب لعقود، ما شكّل مصدر تمويل ضخم للمليشيا. ومع اندلاع الحرب، تطورت العلاقة إلى تزويد عسكري مباشر، شمل مسيرات، أسلحة نوعية، وخبراء ميدانيين.
تقرير لمنصة “PassBlue” كشف أن الدعم السريع استخدم معدات اتصالات وسيارات مدرعة مصدرها الإمارات. كما أشارت رويترز إلى رحلات شحن جوية من أبوظبي إلى تشاد، تُستخدم كممر إلى السودان، وأن مستشفى ميدانيًا إماراتيًا كان غطاءً لنقل الأسلحة والذهب.
ما حدث في نيالا ليس مجرد ضربة جوية ناجحة للجيش السوداني، بل حدث يُعيد تشكيل الرواية حول تورط النظام الإماراتي في دعم المليشيات المسلحة التي تسفك دماء المدنيين في دارفور.
مقتل الضباط الأربعة بصمت رسمي، وتكتم شديد، وتضارب في السرديات، كلها مؤشرات على أن الإمارات لا تكتفي بتمويل الحرب، بل تخوضها ميدانيًا عبر ضباطها ومستشاريها.
إن انكشاف هذا الدور لا يُشكل فقط انتكاسة عسكرية، بل هزة سياسية لسياسة خارجية تُحاول منذ سنوات التستر خلف شعارات “الحياد” و”الاستقرار”، بينما تُغذّي الحروب سراً بالمال والسلاح.
ولعل هذه الضربة تكون البداية لمحاصرة هذا الدور، ووضعه أمام مساءلة إقليمية ودولية طال انتظارها.