أطلق الصحفي والباحث السياسي السعودي سلمان الأنصاري اتهامات خطيرة ضد أجهزة الاستخبارات في أبو ظبي، معتبراً أنها تعمل على تنفيذ عمليات سرية تهدف إلى توريط السعودية وإلصاق اتهامات بها عبر سيناريوهات مُعدّة سلفاً وبأدوات غير مباشرة. هذه التصريحات، التي جاءت في لحظة توتر سياسي غير مسبوق بين البلدين، أعادت فتح ملف الصراع الخفي داخل معسكر الحلفاء السابقين في الخليج، وكشفت عن انتقال الخلاف من الغرف المغلقة إلى العلن.

اتهامات مباشرة ورسائل مبطّنة
في تدوينة نشرها عبر منصة “إكس”، قال الأنصاري إن جهاز المخابرات في أبو ظبي “يعمل على مدار الساعة لتنفيذ عمليات سرية متعددة، جرى التخطيط لها عمداً داخل الإمارات، على أن تُنسب زوراً إلى السعودية بعد تنفيذها بواسطة عملاء أجانب”. الأخطر في حديثه لم يكن فقط الاتهام المباشر، بل إشارته إلى أن أطرافاً إعلامية وشركات علاقات عامة جرى “إبلاغها بالاستعداد”، ما يوحي – وفق قراءته – بوجود حملة تهيئة إعلامية مسبقة لتسويق روايات جاهزة بعد تنفيذ تلك العمليات.
صمت عن التفاصيل… وإشارات إلى ما هو أكبر
الأنصاري لم يكشف طبيعة هذه العمليات ولا ساحتها أو توقيتها، وهو ما فتح باب التأويل على مصراعيه. لكن هذا الغموض لا يقلل من خطورة الرسالة السياسية؛ فالاتهام، حتى دون تفاصيل، يضع أبو ظبي في موقع الفاعل السري الذي يسعى لاستخدام أدوات غير تقليدية في صراع نفوذ إقليمي، ويضع الرياض في موضع “الهدف” الذي يُراد تشويهه أو استدراجه إلى مواجهات غير محسوبة.
خلفية الخلاف: جنوب اليمن كنقطة انفجار
تأتي هذه التصريحات في سياق خلاف سعودي–إماراتي خرج إلى العلن الشهر الماضي على خلفية ملف جنوب اليمن، حيث تصاعد التباين بين الطرفين حول إدارة النفوذ، ودور الفصائل المحلية، ومستقبل الترتيبات السياسية والأمنية هناك. هذا الخلاف، الذي ظل لسنوات تحت سقف “التحالف”، بدأ يتحول إلى صراع مصالح مفتوح، تُستخدم فيه الأدوات السياسية والإعلامية وربما الاستخباراتية.
من هو سلمان الأنصاري؟
لا يُنظر إلى الأنصاري على أنه مجرد صحفي عابر. فهو يُعد أحد أبرز وجوه جماعات الضغط (اللوبيات) المرتبطة بالسردية السعودية في الغرب. يعرّف نفسه كباحث سياسي ورجل أعمال، وهو مؤسس ورئيس لجنة شؤون العلاقات العامة السعودية–الأمريكية سابراك منذ عام 2016، وهي منصة لعبت دوراً في تسويق مواقف الرياض داخل واشنطن.
كما أسس شركات في مجالات الإنتاج الإعلامي والاستثمار والسياحة الفاخرة، وكتب خلال السنوات الماضية مقالات رأي في صحف أمريكية معروفة مثل “ذا هيل” و“واشنطن تايمز”، ركزت على الدفاع عن السياسات السعودية وتقديمها بوصفها عامل “استقرار” في المنطقة.
ما وراء الاتهام: صراع نفوذ لا صراع تغريدات
قراءة تصريحات الأنصاري في سياقها الأوسع تشير إلى ما هو أبعد من سجال إعلامي. فالرجل، بحكم موقعه وشبكة علاقاته، لا يطلق عادةً اتهامات بهذا الحجم دون حسابات. حديثه عن “عدم نضج” المخططين، وعن تسريب الاستعدادات لشركات علاقات عامة، يوحي بمحاولة إحراج الخصم وكشف أساليبه قبل تنفيذها، أو على الأقل رفع كلفة أي تحرك سري محتمل.
“قوى الشر” وسردية الاستقطاب الإقليمي
في ختام مواقفه، تحدث الأنصاري عن “صراع قوى الشر في المنطقة”، في توصيف يعكس انتقال الخطاب من توصيف الخلاف كتنافس سياسي إلى تصويره كمعركة وجود ونفوذ. هذا الخطاب يعكس مناخاً إقليمياً متوتراً، حيث باتت التحالفات هشة، والخصومات متحركة، وتختلط فيها السياسة بالاستخبارات والإعلام.
دلالات المرحلة المقبلة
سواء كانت اتهامات الأنصاري مقدمة لكشف معلومات لاحقة، أو جزءاً من معركة ردع إعلامية، فإنها تكشف عن مرحلة جديدة في العلاقات السعودية–الإماراتية: مرحلة لم تعد فيها الخلافات قابلة للإخفاء، ولا أدوات الصراع محصورة في القنوات الدبلوماسية. في هذه المرحلة، يصبح الإعلام والاتهام العلني سلاحاً، وتتحول “العمليات السرية” – سواء وُجدت أم لا – إلى عنصر ضغط في معادلة إقليمية معقدة، عنوانها الأبرز: صراع النفوذ داخل معسكر كان يُقدَّم طويلاً كجبهة واحدة.
اقرأ أيضًا : الإمارات وتمزيق الصومال: دعوة رئاسية للحوار في مواجهة مشروع التطبيع والانفصال