من خلف واجهة الرفاه والاستقرار التي تُسوّقها أبوظبي للعالم، يتصاعد توتر خفي داخل القصر الحاكم، بين جناحين قويين في عائلة آل نهيان: جناح طحنون بن زايد وجناح هزاع بن زايد.
تقرير نشره موقع “إنسايد أوفر” الإيطالي، كشف تفاصيل هذا الصراع الهادئ الذي يعكس التوازنات الحساسة داخل بيت الحكم الإماراتي، وسط سعي الرئيس محمد بن زايد لترتيب بيت العائلة بما يضمن استمرار قبضته على السلطة، دون أن تتحول المنافسة بين إخوته إلى شقاق يهدد وحدة النظام.

 

النفوذ المتعاظم لطحنون بن زايد: رجل الظل الذي يدير الدولة

طحنون بن زايد، مستشار الأمن الوطني منذ عام 2016، يوصف في الدوائر الغربية بأنه “الرجل الأقوى بعد الرئيس”، لكن هذا التوصيف يبدو متواضعًا أمام حجم سلطته الفعلية.
فطحنون لا يقتصر دوره على الأمن الوطني، بل يملك شبكة اقتصادية تمتد من الذكاء الاصطناعي إلى صناديق الاستثمار السيادية، وتقدَّر قيمة إمبراطوريته بأكثر من 1.5 تريليون دولار عبر شركات مثل G42 وMGX، اللتين ترتبطان بشركات عملاقة كـ”مايكروسوفت” و”بلاك روك”.

وفق التقرير، استطاع طحنون أن يحوّل الابتكار التكنولوجي إلى ذراع نفوذ استراتيجي للإمارات في الساحة الدولية. فهو يقود توجهًا يجعل من الأمن السيبراني والحرب الرقمية أدوات جديدة للقوة، إذ تعمل شركاته على تطوير أنظمة مراقبة واختراق متقدمة تُستخدم في الداخل والخارج.

لكن الصورة المشرقة لرجل الأعمال العصري تُخفي خلفها وجهًا آخر أكثر غموضًا، إذ تتحدث تقارير استخباراتية وإعلامية عن تورطه في عمليات تجسس واختراق إلكتروني ضد معارضين وصحفيين، إلى جانب إدارة حملات تدخل غير مباشرة في ملفات إقليمية ملتهبة مثل اليمن وليبيا والسودان.

طحنون نادر الظهور إعلاميًا، لكنه حاضر في كل مفصل حيوي في الدولة، من السياسات الأمنية إلى التمويل الدولي، ما يجعله “العقل الخفي” وراء منظومة الحكم الإماراتي الحديثة، وأحد أهم صُنّاع القرار في الملفات الأمنية والاقتصادية الحساسة.

هزاع بن زايد: الوجه الاجتماعي للنظام وسليل الشرعية التقليدية

على النقيض من شقيقه، يُمثل هزاع بن زايد الصورة التقليدية للقيادة المحلية في الإمارات.
فمنذ تعيينه نائبًا لحاكم أبوظبي عام 2023، يُركّز نشاطه على الملفات الاجتماعية والتنموية، ويُعرف بحضوره الميداني في منطقة العين، حيث يتولى مهامّ تتعلق بالبنية التحتية والطاقة والنقل والتراث.

هزاع يُقدَّم في الإعلام المحلي كـ”الوجه الإنساني” للسلطة، إذ يلتقي القبائل والعائلات، ويمثل حلقة الوصل بين الحكم والمجتمع.
لكن وفق موقع Inside Over، فإن دوره لا يقتصر على الطابع البروتوكولي، بل يُعدّ ركيزة لضمان استقرار الولاءات الداخلية في الإمارة الأم، وهي مهمة لا تقل أهمية عن النفوذ الاقتصادي والأمني الذي يحتكره شقيقه طحنون.

هذا التوازن بين المحلي والعالمي، بين السلطة الاقتصادية والشرعية الاجتماعية، هو ما حاول محمد بن زايد ترسيخه عبر توزيع المناصب داخل العائلة، غير أن هذا التوازن يبدو اليوم مهددًا بالتصدع.

احتكاك الأدوار وتوسع الطموحات: الشرارة الصامتة

بدأت مؤشرات التوتر بين الأخوين تبرز عندما حاول هزاع توسيع نفوذه نحو الملفات الأمنية والإقليمية، التي يهيمن عليها طحنون.
تقول تقارير إن هزاع سعى إلى بناء شبكة علاقات مع شخصيات نافذة في ملفات اليمن وليبيا والسودان، وهو ما اعتُبر تدخلاً في مناطق النفوذ الخاصة بشقيقه.

مثل هذا التحرك داخل العائلة لا يُعلن عادة، لكنّه يعكس سباقًا مكتومًا على من يمسك بمفاتيح السلطة الفعلية، خاصة بعد أن أقدم محمد بن زايد في 2023 على إعادة هيكلة شاملة داخل منظومة الحكم، شملت تعيين ابنه خالد وليًا للعهد وشقيقه منصور نائبًا للرئيس، في خطوة فسّرها مراقبون بأنها محاولة لإحكام السيطرة وضمان انتقال السلطة بسلاسة داخل خطه المباشر.

غير أن هذا الترتيب خلق شبكة معقدة من التحالفات والتوازنات الدقيقة، حيث يحاول كل شقيق الحفاظ على مجاله ونفوذه دون أن يصطدم بالآخر علنًا، بينما تبقى سلطة محمد بن زايد هي الحَكَم الأعلى بين الجميع.

التوازن الهشّ بين التحديث والولاء

التقرير يرى أن التنافس بين طحنون وهزاع هو انعكاس لصراع أعمق داخل الدولة بين نموذجين:

  • نموذج طحنون الذي يسعى إلى تحويل الإمارات إلى قوة تكنولوجية واقتصادية عابرة للحدود، تستخدم الذكاء الاصطناعي والاستخبارات الرقمية لتوسيع النفوذ.

  • ونموذج هزاع الذي يتمسك بالجذور التقليدية للسلطة، ويعمل على ترميم العلاقة بين الحاكم والمجتمع المحلي، بما يحافظ على التماسك الداخلي.

هذا التباين يُظهر، بحسب التقرير، ازدواجية الهوية الإماراتية: فهي من جهة مختبر عالمي للتكنولوجيا والابتكار، ومن جهة أخرى ملكية قبلية تحكمها التقاليد والولاءات العائلية.

ومع أن محمد بن زايد لا يزال يمسك بخيوط اللعبة، فإن أي تصدع داخل الدائرة الضيقة قد ينعكس على استقرار الدولة في المدى الطويل، خاصة في ظل الأزمات الإقليمية المتصاعدة، وضغوط التنافس الاقتصادي والسياسي بين واشنطن وبكين اللتين تسعى أبوظبي للتوفيق بينهما.

خاتمة: وحدة العائلة.. شرط البقاء

يُجمع المراقبون على أن مصير النظام الإماراتي مرتبط بتماسك آل نهيان أكثر من أي عامل خارجي.
فالدولة التي تُقدَّم كنموذج للاستقرار في الخليج، تُخفي في عمقها هشاشة عائلية قد تتحول إلى أزمة حكم إذا ما تصاعدت الطموحات الفردية وتضاربت المصالح.

وبينما يواصل طحنون بناء نفوذه الاقتصادي والتقني، ويتمسك هزاع بشرعية الميدان والقبيلة، يواجه محمد بن زايد التحدي الأصعب في مسيرته: كيف يحافظ على وحدة العائلة دون أن يفقد أحد أجنحته؟

ففي نهاية المطاف، قد لا تكون الإمارات مهددة من خصومها الخارجيين بقدر ما تُهدَّد من صراعات البيت الواحد التي تتنامى بصمت خلف جدران القصر الرئاسي في أبوظبي.

اقرأ أيضًا : هذا ما نعرفه حتى الآن عن المرحلة الأولى من اتفاق غزة