في تطور لافت يكشف حجم التصدّع داخل معسكر التحالف نفسه، أعلنت التحالف العربي في اليمن بقيادة السعودية تنفيذ ضربة جوية محدودة استهدفت ما وصفته بـ«دعم عسكري خارجي» داخل ميناء المكلا، بعد رصد سفينتين قادمتين من ميناء الفجيرة التابع لـالإمارات، في خطوة اعتُبرت الأخطر منذ سنوات على صعيد الصراع الخفي بين قوتين يفترض أنهما شريكتان في التحالف.

سفن إماراتية خارج التنسيق

بحسب بيان نقلته وكالة الأنباء السعودية «واس»، فإن السفينتين وصلتا إلى المكلا يومي السبت والأحد من دون أي تصريح رسمي، وقامتا بتعطيل أنظمة التتبع البحرية، قبل إنزال شحنات أسلحة لدعم ميليشيا المجلس الانتقالي الجنوبي، التي تسعى إلى فرض وقائع انفصالية بالقوة. هذا السلوك لم يكن مجرد خرق إجرائي، بل محاولة متعمدة لتأجيج الصراع في حضرموت وإفشال مساعي التهدئة.

اشتباك الإرادات داخل التحالف

الضربة السعودية لا يمكن فصلها عن سياق أوسع من صراع النفوذ بين الرياض وأبوظبي في جنوب اليمن. فبينما ترفع السعودية شعار دعم «الشرعية» ووحدة المؤسسات، تعمل الإمارات على تمكين وكلاء محليين مسلحين، على رأسهم ميليشيا الانتقالي، لتكريس مشروع تقسيمي يخدم أجندتها الجيوسياسية في الموانئ والسواحل. هنا، لا تبدو الضربة الجوية حدثًا عسكريًا معزولًا، بل رسالة سياسية قاسية مفادها أن الرياض لن تسمح بتحويل حضرموت إلى ساحة نفوذ إماراتية خالصة.

إخلاء الميناء… تصعيد محسوب

سبق الضربة إعلان التحالف مطالبة المدنيين والصيادين بإخلاء ميناء المكلا «حتى إشعار آخر»، وهو إجراء يعكس استعدادًا سعوديًا للذهاب بعيدًا في فرض خطوط حمراء. كما جاء تأكيد المتحدث باسم التحالف، تركي المالكي، بأن أي تحركات عسكرية تخالف جهود خفض التصعيد سيتم التعامل معها مباشرة، استجابة لطلب رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي. لكن اللافت أن المالكي نفسه أقرّ بوجود «جهود مشتركة» مع الإمارات، في تناقض صارخ مع واقع الاستهداف الفعلي لسفن قادمة منها.

ميليشيا الانتقالي في قلب الاتهام

تُحمّل الرياض ميليشيا المجلس الانتقالي الجنوبي مسؤولية الانتهاكات الإنسانية والتحركات العسكرية غير المبررة في حضرموت والمهرة، وتؤكد أن الهدف هو إخراج هذه القوات من المعسكرات وتسليمها لقوات «درع الوطن» وتمكين السلطة المحلية. غير أن الوقائع على الأرض تشير إلى أن الانتقالي لا يتحرك بمعزل عن الدعم الإماراتي المباشر، سواء بالسلاح أو التمويل أو الغطاء السياسي، ما يجعل الصدام الحالي مواجهة غير مباشرة بين راعيين إقليميين.

الإمارات… من شريك إلى خصم

البيان السعودي عبّر بوضوح عن القلق من التحركات التي تقودها قوات الانتقالي المدعومة من الإمارات، واعتبرها تصعيدًا يضر بمصالح اليمنيين وبالقضية الجنوبية نفسها. هذا التوصيف ينزع عن أبوظبي صفة «الشريك الموثوق»، ويضعها عمليًا في خانة الطرف الذي يغذّي الفوضى لتحقيق مكاسب استراتيجية، خصوصًا في الموانئ الحيوية على بحر العرب.

تداعيات خطيرة على مستقبل الجنوب

ما جرى في المكلا يفتح الباب على سيناريوهات أكثر خطورة: فإما أن تنجح السعودية في كبح التمدد الإماراتي وفرض مسار تهدئة حقيقي يعيد الاعتبار للدولة، أو ينزلق الجنوب إلى صراع مفتوح بين وكلاء إقليميين، يدفع ثمنه المدنيون. في كلتا الحالتين، يتأكد أن التحالف الذي تشكّل تحت عنوان «إعادة الشرعية» بات ساحة صراع بين قوتين تتنازعان اليمن، كلٌ وفق أجندته الخاصة.

خلاصة المشهد

الضربة السعودية ضد سفن قادمة من الإمارات ليست مجرد حادثة عسكرية، بل إعلان صريح عن صراع الشر بين قوتين إقليميتين تتقاسمان النفوذ وتتنازعان الغنائم، فيما يظل اليمن هو الضحية. ومع استمرار دعم أبوظبي لميليشيا الانتقالي، وتصاعد لهجة الرياض، يبدو أن مرحلة جديدة من الصدام قد بدأت، عنوانها: التحالف يتفكك… والجنوب على حافة الانفجار.

اقرأ أيضًا : نص بيان القسام الذي نعت فيه قادتها بعد حرب الإبادة على غزة