في مشهد يعكس تصاعد التوتر بين قوى الهيمنة الإقليمية في الخليج، تلوح في الأفق بوادر صراع نفطي حاد بين السعودية والإمارات داخل منظمة الدول المصدرة للنفط “أوبك بلس”، ما قد يهدد استقرار المنظمة ويعيد تشكيل خريطة النفوذ في سوق الطاقة العالمي.
فبينما تسعى الرياض للحفاظ على الانضباط الإنتاجي ضمن تحالف أوبك+، تمضي أبوظبي بخطوات منفردة لتحقيق مصالحها الخاصة، ضاربة بعرض الحائط التفاهمات الجماعية، ما ينذر بانفجار وشيك قد يعصف بوحدة المجموعة التي لطالما اعتُبرت أحد الأعمدة الحاكمة لسوق النفط.

الخطر الصامت.. الإمارات تتجاوز الحصة المقررة
أشارت مجلة “الإيكونوميست” في تقرير تحليلي حديث إلى أن أبوظبي أصبحت تمثل التهديد الأكبر لبقاء أوبك+ متماسكة، وذلك بسبب تجاوزاتها المتكررة لحصتها الإنتاجية دون رادع، إذ يُقدّر بعض المحللين أن الإمارات تضخ ما بين 200 و300 ألف برميل يوميًا فوق السقف المسموح به.
وفقًا للمجلة، توقفت الإمارات منذ سنوات عن نشر بيانات إنتاج دقيقة، وبدأت تلجأ إلى التلاعب بالإحصاءات المعلنة، وهو ما يجعل تقييم التزامها بالاتفاقات أمرًا صعبًا، ويثير قلق شركائها في التحالف النفطي.
وفي وقت تسعى فيه معظم دول أوبك+، لا سيما السعودية، إلى إدارة السوق بانضباط يهدف إلى الحفاظ على أسعار مرتفعة نسبيًا، تندفع الإمارات نحو استراتيجية مغايرة، تحاول من خلالها تصفية احتياطاتها النفطية بأسرع ما يمكن قبل أن يبلغ الطلب العالمي على النفط ذروته خلال العقد المقبل، وهي الذروة التي يراها المحللون قريبة بفعل التوجهات العالمية نحو الطاقة النظيفة.
الرياض وأبوظبي.. علاقة متوترة وصراع نفوذ خفي
اللافت أن السعودية، التي لطالما لعبت دور “الشرطي” داخل أوبك+، تغض الطرف حتى الآن عن ممارسات أبوظبي، رغم إدراكها الكامل لحجم الانحراف الإماراتي عن الالتزامات.
بحسب مصادر دبلوماسية مطلعة نقلت عنها “الإيكونوميست”، فإن الاجتماعات النفطية الأخيرة كشفت عن فتور في العلاقة بين الوفدين السعودي والإماراتي، دون أن يتحول هذا الفتور إلى خلاف علني.
وفيما يرى البعض في هذا التساهل محاولة لاحتواء الأزمة، يعتبره آخرون ضعفًا تكتيكيًا من الرياض قد يكلفها الكثير على المدى البعيد.
ويبدو أن الأزمة النفطية بين البلدين ليست معزولة عن سياقات أوسع من التنافس السياسي والإقليمي بين أبوظبي والرياض، الذي تصاعد منذ سنوات على خلفية تباينات حادة في ملفات مثل حرب اليمن، والتطبيع مع الاحتلال الإسرائيلي، والتغلغل في أفريقيا، والتمدد في البحر الأحمر، ومؤخرًا النفوذ داخل منظمات الطاقة العالمية.
فكل من محمد بن زايد ومحمد بن سلمان يسعى لترسيخ نفسه كقائد للعالم العربي والخليجي، ولو على حساب شركائه في “التحالفات المؤقتة”.
خلافات داخل أوبك+: التحالف يترنح
وبحسب تقرير لوكالة “رويترز” في شباط/فبراير الماضي، فإن خلافًا محتدمًا بدأ يتشكل داخل أوبك+ بين معسكر يقوده الإماراتيون ومعسكر آخر تقوده السعودية، بشأن مستقبل خطط زيادة الإنتاج.
ففي حين تصر أبوظبي على استغلال قدراتها الإنتاجية الجديدة لزيادة ضخ النفط، بدعم من روسيا، ترى الرياض ضرورة تجميد هذه الزيادات مؤقتًا لضبط السوق وسط حالة عدم اليقين الناتجة عن العقوبات على فنزويلا وإيران وروسيا.
مصادر أوبك+ أكدت أن النقاشات الأخيرة داخل المنظمة اتسمت بحدة غير معهودة، وسط مخاوف من أن استمرار الخلاف قد يؤدي إلى تقويض آلية التنسيق داخل التحالف الذي يضم 23 دولة منتجة للنفط، ويملك أكثر من 40% من الإنتاج العالمي.
ويرى محللون أن أي انهيار في التفاهم السعودي-الإماراتي قد يدفع باقي الدول إلى التحلل من التزاماتها، ما يفتح الباب لفوضى في السوق تعيدنا إلى مشهد حرب الأسعار كما حدث في 2020.
قراءة سياسية: تنافس بين قوى الهيمنة والفساد
ليست هذه الأزمة مجرد خلاف نفطي تقني، بل هي انعكاس مباشر لطبيعة العلاقات بين نظامين استبداديين يسعيان لاحتكار القرار السياسي والاقتصادي في المنطقة، ولو على حساب الشعوب العربية، واستقرارها الاقتصادي.
فمن جهة، يستخدم محمد بن زايد ملف النفط كأداة لمواصلة توغله في الأسواق الدولية، وتغذية نفوذه عبر الصفقات والتطبيع والدعاية. ومن جهة أخرى، يحاول محمد بن سلمان المحافظة على ما تبقى من نفوذ سعودي في ظل انحدار اقتصادي وتراجع ثقة المستثمرين.
إن التوتر الحالي داخل أوبك+ يفتح الباب أمام تساؤلات جوهرية حول جدوى استمرار تحالف تتحكم فيه “قوى الشر” في المنطقة، وفق أجندات قومية ضيقة تسعى لتمكين سلطات استبدادية على حساب التنسيق الجماعي والمصالح الدولية الأوسع. كما يسلط الضوء على هشاشة الكيانات الاقتصادية الكبرى التي تتأسس على المصالح الأنانية وليس على الالتزامات المشتركة.
هل نشهد نهاية أوبك+؟
في ظل هذه المعطيات، لم يعد من المستبعد أن تنهار أوبك+ في السنوات القليلة المقبلة إذا استمر هذا التآكل في الثقة والانضباط. فبينما يتسابق الأعضاء على تصفية أرصدتهم النفطية قبل حلول زمن الطاقة البديلة، تتآكل تدريجيًا قدرة السعودية على ضبط الإيقاع، وتتسع هوة الخلاف مع الإمارات.
وقد يكون الانفجار وشيكًا، خاصة إذا تجرأت أبوظبي على إعلان إنتاجها الفعلي خارج الأطر الرسمية، أو إذا قررت السعودية الرد بشكل مفاجئ عبر حرب أسعار جديدة.
لكن الأكيد أن “صراع قوى الشر” في الخليج لن يبقى محصورًا في الاجتماعات المغلقة، بل ستكون له انعكاسات على أسعار النفط، وعلى الدول الفقيرة المستهلكة، وعلى البيئة الدولية الباحثة عن استقرار في سوق الطاقة.
اقرأ أيضًا : كيف تحوّلت المساعدات إلى كمين قاتل؟.. دور الشركة الأمنية الأمريكية في استهداف الفلسطينيين