يشهد التوازن الإقليمي في الخليج العربي حالة من التوتر المؤجل بين السعودية والإمارات، حيث فرضت التطورات الأخيرة هدنة مؤقتة بين الطرفين دون أن تُنهي جذور الصراع بينهما. ويشرح الباحث والمحلل الفرنسي جين بيري فلو أن هذا التنافس لا يزال قائمًا في العمق، رغم ما يبدو من تقارب ظرفي فرضته الأزمات الإقليمية.
لطالما ظهر محمد بن زايد، رئيس دولة الإمارات المولود عام 1961، كمرشد سياسي لـ محمد بن سلمان، ولي العهد السعودي الأصغر منه بـ24 عامًا، غير أن الحاكم الفعلي للسعودية بدأ تدريجيًا في التحرر من هذا التأثير، الذي بات يُنظر إليه كعامل يقيّد طموحاته.
وجاء التحول المفصلي في عام 2021، عندما بادر محمد بن سلمان إلى إنهاء الحصار الذي فرضته الرياض وأبوظبي على قطر منذ عام 2017. ومنذ ذلك الحين، تصاعدت الخلافات بين الطرفين، سواء في التنافس على الاستثمارات الأجنبية أو في تضارب السياسات داخل سوق النفط. وعلى الرغم من أن الضربات الإيرانية خلال الشهر الماضي دفعت الطرفين إلى التقارب مؤقتًا، فإن هذا التقارب لا يتجاوز كونه تعليقًا مؤقتًا للصراع.
تُظهر المعطيات الاقتصادية والديموغرافية حجم التباين بين البلدين. فالإمارات تمتلك صناديق سيادية تفوق نظيرتها السعودية، كما يُتوقع أن يشغّل مطار دبي الدولي في عام 2025 أكبر حركة مسافرين في العالم، مع ما يقارب 100 مليون مسافر. ومع ذلك، لا تزال المحروقات تمثل نحو ثلث الناتج المحلي الإماراتي، مقارنة بربع الاقتصاد السعودي، الذي اتجه إلى تقليص إنتاجه النفطي، في حين ضغطت الإمارات لزيادة حصتها. وعلى الصعيد السكاني، يشكل المواطنون الإماراتيون نحو عُشر السكان فقط، مقابل مجتمع سعودي تبلغ فيه نسبة المواطنين نحو ثلثي السكان، حيث يقف ما يزيد قليلاً عن مليون إماراتي في مواجهة نحو 23 مليون سعودي، وهو خلل ديموغرافي تعوّضه الإمارات عبر تجنيد أعداد كبيرة من الأجانب في قواتها المسلحة.
في اليمن، سعى محمد بن سلمان إلى أن يتدخل دونالد ترامب للحد من الاستراتيجية الانفصالية التي يقودها محمد بن زايد في عدة ساحات، منها السودان واليمن وليبيا، إلا أن البيت الأبيض رفض التدخل. وهو ما دفع السعودية إلى مواجهة ما تعتبره تهديدًا مباشرًا لأمنها الحدودي. وكانت الرياض قد توصلت في عام 2022 إلى وقف إطلاق نار مع الحوثيين المدعومين من إيران، الذين يسيطرون على شمال اليمن.
لكن التطورات الميدانية كشفت تحولًا حادًا في ميزان القوى. ففي ديسمبر، شن الانفصاليون في جنوب اليمن، بدعم إماراتي واضح، هجومًا واسعًا، غير أن القوات السعودية وحلفاءها المحليين ردوا مطلع العام التالي بحملة عسكرية خاطفة. وأسفرت هذه الحملة عن طرد الانفصاليين من مواقعهم، وإجبار الإمارات على الانسحاب من اليمن، مما أدى إلى خسارتها حصيلة سنوات من الاستثمار السياسي والعسكري خلال أيام معدودة. وهكذا، فإن التحالف الذي شكّله محمد بن سلمان عام 2015 لمواجهة إيران وحلفائها، وجد نفسه بعد عقد من الزمن في مواجهة الإمارات ووكلائها الانفصاليين.
وفي السودان، تقف السعودية والإمارات ظاهريًا في معسكر واحد ضمن إطار رباعي يضم أيضًا الولايات المتحدة ومصر، بهدف إنهاء الحرب المستمرة منذ عام 2023 بين القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع. غير أن الدعم الإماراتي الواسع والمتعدد الأوجه لقوات الدعم السريع دفع السعودية إلى التخلي عن دور الوسيط، والانضمام إلى مصر في دعم الجيش السوداني. وفي مارس 2025، تمكنت القوات المسلحة من استعادة السيطرة على العاصمة الخرطوم، في حين واصلت قوات الدعم السريع عمليات “تطهير” في إقليم دارفور وسط ظروف إنسانية كارثية.
ويتقاطع الموقفان السعودي والمصري أيضًا في دعم وحدة الصومال، في حين تدعم الإمارات الانفصاليين في إقليم صوماليلاند شمال البلاد، بهدف إقامة قاعدة استراتيجية في بربرة عند مدخل المحيط الهندي.
أما في ما يتعلق بإسرائيل، فقد وقّعت الإمارات في سبتمبر 2020 اتفاق شراكة استراتيجية مع إسرائيل ضمن ما يُعرف بـ اتفاقيات أبراهام (صفقات التطبيع)، لتكون أول دولة عربية تقدم على هذه الخطوة، قبل أن تلحق بها البحرين والسودان والمغرب. وكان محمد بن سلمان يميل إلى الانضمام إلى هذا المسار، بشرط التزام بنيامين نتنياهو بحل الدولتين، أي التعايش السلمي بين إسرائيل وفلسطين منزوعة السلاح.
غير أن الحرب المدمرة في غزة بين أكتوبر 2023 وأكتوبر 2025 دفعت السعودية إلى التراجع عن أي خطوات تطبيع، في حين واصلت الإمارات توسيع تعاونها مع إسرائيل، بما في ذلك داخل قطاع غزة. كما امتنعت الرياض، خلافًا لأبوظبي، عن المشاركة في ما يُعرف بـ”مجلس السلام” الذي طرحه ترامب لغزة.
وفي ظل الحرب التي تقودها الولايات المتحدة وإسرائيل ضد إيران، اضطرت السعودية والإمارات إلى تجميد خلافاتهما مؤقتًا. غير أن هذا التجميد قد لا يصمد طويلًا، بل قد يؤدي تصاعد التوترات إلى تعميق الانقسامات بين القوتين الخليجيتين.
ويرى محمد بن سلمان أن طرد الإمارات من اليمن كان عاملًا حاسمًا في منع امتداد الصراع الحالي إلى جنوب شبه الجزيرة العربية، وليس شمالها فقط. وفي المقابل، انتظر الحوثيون، المسيطرون على شمال اليمن، نحو شهر قبل الرد على الهجوم الأمريكي-الإسرائيلي ضد إيران، قبل أن يطلقوا صواريخ باتجاه إسرائيل، وهو ما يستخدمه محمد بن زايد لتبرير نهجه العسكري.
وفي المحصلة، بات كل من الزعيمين مقتنعًا بأن سياسات الآخر تمثل مصدر إضعاف له، مما ينذر بإمكانية عودة الصراع بينهما بمجرد انحسار الضغوط الحالية، ويفتح الباب أمام جولة جديدة من التنافس على النفوذ في المنطقة.
البوست
نشرت صحيفة لوموند الفرنسية تقريرًا كشفت فيه أن ما يبدو تقاربًا بين السعودية والإمارات ليس سوى هدنة مؤقتة فرضتها التوترات الإقليمية، بينما يظل الصراع على النفوذ بين الطرفين قائمًا في العمق.
وتناول التقرير تصاعد الخلافات بين محمد بن سلمان ومحمد بن زايد، بدءًا من فك الحصار عن قطر، مرورًا بالتنافس الاقتصادي والنفطي، وصولًا إلى الصدام غير المباشر في اليمن، حيث انتهى الأمر بطرد الإمارات وخسارتها نفوذًا استثمرت فيه لسنوات.
كما سلّط الضوء على التباينات في السودان، حيث دعمت الإمارات قوات الدعم السريع، مقابل انحياز السعودية ومصر للجيش السوداني، إلى جانب الخلافات في الصومال، والانقسام الواضح في الموقف من إسرائيل والتطبيع.
التقرير يخلص إلى أن التوتر الحالي ليس نهاية الصراع، بل مجرد تأجيل له… وأن المواجهة بين القوتين الخليجيتين مرشحة للعودة في أي لحظة.