العدسة | تقرير

منذ أن أعلنت السعودية وباكستان في 17 سبتمبر 2025 عن توقيع اتفاقية دفاعية استراتيجية شاملة، ارتبك المشهد الخليجي. الاتفاق، الذي ينص على اعتبار أي عدوان على أحد الطرفين عدوانًا على الآخر، ويعزز التعاون في المجالات النووية والتدريبية والاستخباراتية، بدا كأنه إعلان رسمي أن الرياض قررت استعادة زمام المبادرة في أمن الخليج عبر أقدم حلفائها العسكريين وأكثرهم حساسية في التوازنات الإقليمية: باكستان، الدولة النووية الإسلامية ذات الجيش الضخم والخبرة الطويلة في الملفات الدفاعية.

لكن في أبوظبي، لم يكن وقع الخبر عاديًا. فمحمد بن زايد، الذي اعتاد أن يضع نفسه في صدارة المشهد الإقليمي،وحليف إسرائيل الأقوى إلى حد التبعية المطلقة، لم يقبل هو أو من يتبعهم أن تُسجَّل هذه النقطة كاملة لصالح الرياض. وعلى الفور، بدأ في إعادة تفعيل ورقة أخرى مناقضة: الهند.

اتفاق قديم يُسوَّق كأنه إنجاز جديد

في 30 يوليو 2025، كانت أبوظبي ونيودلهي قد وقعتا مذكرة تفاهم بين الحرس الوطني الإماراتي وخفر السواحل الهندي. الاتفاق لم يتجاوز حينها نطاق التعاون البحري–الأمني: بحث وإنقاذ، مكافحة القرصنة، مكافحة التلوث، وأمن الملاحة. لم يكن هناك التزام دفاعي متبادل، ولا شراكة أمنية استراتيجية. ومع ذلك، جرى عبر إعلاميين تابعين له إعادة تسويق هذه المذكرة إعلاميًا على أنها “شراكة دفاعية كاملة” وأنها تعكس “التحالف الإماراتي–الهندي المتين” سبقًا على خطوة السعودية–باكستان.

الهدف من هذه الدعاية ليس خافيًا: جس نبض الشارع وتحضير الأرضية السياسية لتوقيع اتفاق مختلف لاحقًا، يتجاوز الاتفاق البحري المحدود إلى تعاون عسكري أشمل.

موازنة النفوذ مع الرياض

مصادر مطلعة على أجواء القصر الإماراتي أكدت أن تعميمًا داخليًا صدر بعد إعلان صفقة الرياض–إسلام آباد مباشرة، يأمر بالإسراع في التحضير لاتفاق شامل مع الهند، وأن يُسوّق إعلاميًا كمسار “موازٍ ومكمل” لما فعلته السعودية مع باكستان.

بل إن طحنون بن زايد تحرك بالفعل باتجاه نيودلهي للتفاوض حول تفاصيل اتفاق عسكري يتضمن التعاون في الصناعات الدفاعية والتقنيات الحديثة، مثل الذكاء الاصطناعي العسكري والتصنيع المشترك، إضافة إلى صفقة قيد التفاوض للحصول على منظومات صواريخ دفاع جوي “أكاش” (Akash)، وهي المنظومات التي بدأتها الهند في تصديرها لشركاء استراتيجيين منذ 202.

هذا السلوك يكشف أن المسألة لا تتعلق بمصالح أمنية إماراتية بحتة، بل برغبة سياسية واضحة: عدم ترك الرياض وحيدة في صدارة المشهد الأمني الإقليمي، حتى لو كان الثمن إدخال الهند – الحليف الاستراتيجي لإسرائيل – وعدو باكستان اللدود إلى قلب الترتيبات الأمنية في الخليج.

الهند: الحليف الأخطر لإسرائيل

من الخطأ التعامل مع الهند اليوم بوصفها مجرد دولة صاعدة تبحث عن شراكات اقتصادية أو أمنية. فحكومة ناريندرا مودي، المعروفة بخطابها القومي الهندوسي العنصري ضد المسلمين، نسجت في العقد الأخير شبكة عسكرية وتقنية متنامية مع إسرائيل.

  • التعاون بين الهند وإسرائيل شمل تكنولوجيا الطائرات المسيَّرة، الرادارات المتطورة، أنظمة الدفاع الصاروخي، وأسلحة متقدمة.

  • شركات إسرائيلية كبرى مثل IAI وRafael أصبحت من المزودين الرئيسيين للهند في مجالات الرادارات والمراقبة والأنظمة البحرية.

  • في 2023 و2024، شاركت الهند وإسرائيل في تدريبات مشتركة بغطاء “مكافحة الإرهاب”، وهو ما اعتُبر اختراقًا استراتيجيًا جديدًا للكيان في آسيا.

بمعنى آخر، أي اتفاق أمني إماراتي–هندي اليوم ليس اتفاقًا ثنائيًا بريئًا، بل هو نافذة مباشرة لتوسيع النفوذ الإسرائيلي في الخليج عبر نيودلهي.

خيانة لباكستان وتفريط بالخليج

الخليج – وعلى رأسه السعودية – لطالما اعتمد على باكستان كحليف استراتيجي. مئات الآلاف من الجنود الباكستانيين خدموا في الخليج، وآلاف الضباط درّبوا جيوش المنطقة، وباكستان نفسها تدخلت في محطات حاسمة لحماية أمن الخليج. واليوم، بينما تسجّل الرياض عودة قوية للتحالف مع إسلام آباد، تختار أبوظبي أن تُدخل خصم باكستان التاريخي إلى عمق الخليج.

هذه الخطوة ليست فقط استفزازًا لباكستان، بل هي خيانة صريحة لمنظومة الأمن الخليجي والإسلامي. كيف يمكن أن تُعقد شراكة عسكرية مع دولة تخوض نزاعات حدودية وسياسية مفتوحة مع باكستان، ولها تاريخ دموي في كشمير، وحكومتها تصف المسلمين علنًا بأنهم “غرباء”؟ وكيف يُسوَّق مثل هذا التحالف وكأنه تعزيز لأمن الخليج بينما هو في الحقيقة تعزيز لأمن إسرائيل عبر حليفها الهندي؟

ردود الفعل السلبية.. وحذف التغريدات

اللافت أن محاولة أبوظبي تسويق الاتفاق لم تمر بسهولة. الإعلاميون المقرّبون من القصر، ومن بينهم المصري أحمد موسى، سارعوا إلى الترويج للاتفاق عبر تغريدات وبيانات تمجّد “الشراكة مع الهند”. لكن التفاعل الشعبي كان سلبيًا جدًا: اعتُبر الاتفاق استفزازًا مباشرًا لباكستان وللمسلمين، وضربًا لجهود السعودية في استعادة وحدة الخليج مع شركاء إسلاميين طبيعيين.

الضغط كان كبيرًا إلى درجة أن بعض هؤلاء المروجين – ومنهم أحمد موسى نفسه – اضطروا إلى حذف تغريداتهم بعد أن وُوجهوا بموجة انتقادات لاذعة، معتبرة ما كتبوه إملاءات من أبوظبي لا أكثر.

الخلاصة: مناورة خطرة وخيانة صريحة

الذي يجري اليوم أوضح من أن يُخفى:

  • اتفاق يوليو كان محدودًا وتقنيًا، لكنه يُستخدم اليوم كغطاء لإعداد صفقة دفاعية أعمق.

  • بن زايد يضغط باتجاه إنجاز اتفاق شامل مع الهند على غرار صفقة الرياض–إسلام آباد، بدافع التنافس الشخصي وموازنة النفوذ.

  • إدخال الهند إلى الخليج عبر بوابة الإمارات هو خيانة كبرى، لأنه يعني إدخال الحليف الأوثق لإسرائيل، وإقصاء باكستان التي طالما كانت سندًا للخليج.

  • التفاعل الشعبي السلبي كشف أن القاعدة العربية والإسلامية تدرك حجم الخطر، وترفض أن تُختطف أولويات المنطقة لخدمة غرور سياسي أو تحالفات خفية مع الاحتلال.

إنها ليست مجرد صفقة عسكرية، بل فصل جديد في مشروع بن زايد للارتماء الكامل في حضن إسرائيل، هذه المرة عبر استقدام أقرب شركائها – الهند – إلى عمق الخليج. وإذا مرّت هذه الصفقة، فإننا أمام تطبيع أمني متعدد الطبقات: إماراتي–إسرائيلي–هندي، يكون الثمن فيه دم المسلمين في كشمير، وغضب الشارع الباكستاني، وأمن الخليج الذي يُفرّط به لصالح أجندة القصر في أبوظبي.