كشفت صحيفة “وول ستريت جورنال” الأمريكية عن وثائق مسربة تؤكد تورط دولة الإمارات في تجنيد مرتزقة سودانيين من ميليشيات قوات الدعم السريع، بقيادة محمد حمدان دقلو، الشهير بـ”حميدتي”، للقتال في كل من اليمن وليبيا.
وفقًا للوثائق المصرفية، دفعت الإمارات مبلغ 27 مليون دولار لحميدتي في عام 2020 مقابل إرسال مقاتليه للقتال في تلك الدولتين، وهو ما يعكس السياسة الإماراتية القائمة على شراء الولاءات واستخدام الميليشيات لتحقيق مصالحها الإقليمية.
تاريخيًا، تأسست قوات الدعم السريع كمجموعة شبه عسكرية مكونة في الغالب من أبناء قبيلة الرزيقات العربية، وبدأت كقوة حماية خاصة لحميدتي قبل أن تتحول إلى قوة منظمة متهمة بارتكاب انتهاكات جسيمة في السودان، خصوصًا في دارفور.
هذه الميليشيا، التي وصفتها منظمات حقوقية بأنها ارتكبت جرائم إبادة جماعية مرتين خلال العقدين الماضيين، استغلتها الإمارات لتحقيق أهدافها في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. ومن خلال دعم الإمارات، توسعت ميليشيات الدعم السريع وتحولت إلى ذراع عسكرية تنفذ أجندات أبوظبي، سواء في السودان أو في مناطق الصراع التي تحتاج فيها الإمارات إلى قوات بالوكالة.

ليبيا: دور الإمارات في تأجيج الصراع عبر المرتزقة
لطالما كان للإمارات دور رئيسي في تعقيد المشهد الليبي، حيث دعمت قوات خليفة حفتر ضد الحكومة المعترف بها دوليًا. وأظهرت الوثائق أن الإمارات لم تكتفِ بإرسال أسلحة متطورة إلى حفتر، بل قامت أيضًا باستئجار ميليشيات سودانية لتعزيز قواته، وهو ما ساعده في شن هجمات واسعة على العاصمة طرابلس في 2019.
من خلال تجنيد مقاتلي الدعم السريع، قدمت الإمارات لقوات حفتر جنودًا محترفين متمرسين على القتال في بيئات قاسية، ما منحهم ميزة تكتيكية ضد القوات الحكومية الليبية. إلى جانب ذلك، استخدمت الإمارات طائرات مسيرة لقصف مواقع مدنية في طرابلس ومصراتة، ما أسفر عن مقتل المئات من المدنيين الليبيين، وهو ما اعتبرته منظمات حقوقية جرائم حرب واضحة.
علاوة على ذلك، أشرفت الإمارات على تشغيل شبكات تهريب للنفط الليبي عبر شركات واجهة، كما وفرت غطاءً دبلوماسيًا لحفتر في المحافل الدولية، رغم فشله العسكري في السيطرة على طرابلس.
وبعد أن تراجع نفوذه، تحولت أبوظبي إلى استراتيجيات جديدة، منها تعزيز وجودها في الجنوب الليبي عبر دعم ميليشيات محلية مرتبطة بحفتر واستغلال القلاقل الأمنية في تشاد والسودان لضمان استمرار تدفق المرتزقة إلى الساحة الليبية.
اليمن: الإمارات وجرائم الحرب ضد المدنيين
منذ تدخلها في اليمن عام 2015، لعبت الإمارات دورًا محوريًا في تدمير البلاد من خلال القصف العشوائي وحصار المدن واعتقال الصحفيين ونشر الفوضى بين الفصائل اليمنية. وعلى الرغم من إعلانها انسحابًا تدريجيًا من اليمن في 2019، إلا أن الإمارات واصلت فرض نفوذها عبر الميليشيات التي أنشأتها، مثل “المجلس الانتقالي الجنوبي” و”ألوية العمالقة”، لضمان بقاء سيطرتها على المناطق الاستراتيجية.
أحد أكثر الجرائم وحشية التي ارتكبتها الإمارات في اليمن كان حصار مدينة الحديدة، الذي أدى إلى مجاعة حادة أسفرت عن وفاة آلاف اليمنيين، معظمهم من الأطفال. كما استخدمت الإمارات طائرات مسيرة لقصف حفلات زفاف، أسواق، ومستشفيات، مما جعلها متورطة في انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان.
كما قامت الإمارات بتحويل جزيرة سقطرى إلى قاعدة عسكرية استخدمتها لأغراض استخباراتية، مستغلة موقعها الاستراتيجي للتحكم في خطوط الملاحة في البحر الأحمر. إضافة إلى ذلك، استولت أبوظبي على أجزاء واسعة من الساحل اليمني، ما منحها منفذًا مهمًا لتعزيز تجارتها البحرية والسيطرة على الموانئ اليمنية، مثل ميناء عدن، الذي حولته إلى قاعدة نفوذ اقتصادي تخدم مصالحها الخاصة.
حميدتي والإمارات: شراكة الدم والذهب
بالنظر إلى التاريخ الإجرامي لحميدتي، لم يكن من المستغرب أن تجد الإمارات فيه حليفًا مستعدًا لتنفيذ أجنداتها مقابل المال. فمنذ أن استولى دقلو على منجم جبل عامر للذهب في دارفور عام 2017، بدأ ببيعه للإمارات وروسيا، وفقًا لتقرير منظمة “جلوبال ويتنس”. وبدلاً من استخدام عائدات الذهب لتحسين أوضاع السودان، استغل حميدتي الأموال لتوسيع نفوذ ميليشياته، مما أدى إلى تفاقم الأوضاع الأمنية في البلاد.
وفي مقابل دعمه العسكري للإمارات، حصل حميدتي على تسهيلات مالية وضمانات للحماية من العقوبات الدولية، بل إنه استغل علاقته الوثيقة بأبوظبي للحصول على دعم سياسي عزز مكانته داخل السودان، قبل أن ينقلب على البشير ويتحالف مع الجيش ثم يدخل في صراع دموي مع البرهان.
ما كشفته الوثائق الأخيرة عن دعم الإمارات لمرتزقة حميدتي ليس سوى حلقة في سلسلة طويلة من التدخلات التي تهدف إلى زعزعة الاستقرار في المنطقة لتحقيق مكاسب اقتصادية وسياسية. سواء كان ذلك عبر تجنيد المرتزقة، تسليح الميليشيات، أو استغلال موارد الدول المنهارة، فإن الإمارات تثبت مرة تلو الأخرى أنها لا تتردد في إشعال الحروب لتحقيق مصالحها الخاصة، بغض النظر عن التكلفة الإنسانية.
في ظل هذه الوقائع، تظل الحاجة ملحة لتحرك دولي يضع حدًا لهذه السياسات التخريبية، سواء عبر فرض عقوبات صارمة على المسؤولين الإماراتيين المتورطين في هذه الجرائم أو من خلال مساءلة أبوظبي أمام المحافل الدولية. وإلى أن يحدث ذلك، سيظل ملايين الأبرياء في ليبيا واليمن والسودان يدفعون الثمن الأكبر لهذه الحروب القذرة التي تخطط لها وتمولها الإمارات.