في خطوة وُصفت بأنها “استفزازية ومتعمدة”، جدد وزير الأمن القومي الإسرائيلي المتطرف إيتمار بن غفير، صباح الثلاثاء، اقتحامه للمسجد الأقصى المبارك في مدينة القدس المحتلة، وسط حراسة مشددة من شرطة الاحتلال، في مشهد أثار غضباً واسعاً في الأوساط الفلسطينية والعربية.

وأكدت دائرة الأوقاف الإسلامية في القدس أن بن غفير اقتحم باحات المسجد من “باب المغاربة” برفقة عشرات المستوطنين، وأدى طقوساً تلمودية داخل الحرم الشريف، في انتهاك فاضح للوضع القائم. وذكرت أن هذا هو الاقتحام الثالث عشر لبن غفير منذ توليه منصبه، والعاشر منذ بدء الحرب الإسرائيلية على غزة في أكتوبر/تشرين الأول 2023، في مؤشر على تصعيد متعمد من قبل حكومة الاحتلال لاستفزاز مشاعر المسلمين.

ويأتي هذا الاقتحام بعد أسبوع فقط من اقتحامه أثناء احتفالات ما يسمى بـ”عيد العرش” اليهودي، ما يعكس إصراراً واضحاً على فرض واقع جديد في الحرم القدسي الشريف، تمهيداً لتقسيمه زمانياً ومكانياً، وهو الهدف الذي تسعى إليه جماعات “الهيكل” المتطرفة تحت حماية الحكومة اليمينية في تل أبيب.

الأردن يندد ويحمّل إسرائيل المسؤولية

في المقابل، أدانت وزارة الخارجية الأردنية بأشد العبارات اقتحام بن غفير، معتبرة أنه “استفزاز سافر لمشاعر المسلمين وانتهاك صارخ للوضع التاريخي والقانوني القائم في المسجد الأقصى المبارك”.

وأكدت الوزارة في بيان رسمي أن “لا سيادة لإسرائيل على القدس المحتلة ومقدساتها الإسلامية والمسيحية”، محذّرة من مغبة استمرار هذه الانتهاكات التي “قد تؤدي إلى تفجير صراع ديني خطير في المنطقة”. وشددت على أن المسجد الأقصى “بكامل مساحته البالغة 144 دونماً هو مكان عبادة خالص للمسلمين فقط”، وأن إدارة أوقاف القدس التابعة لوزارة الأوقاف الأردنية هي الجهة الشرعية الوحيدة المخوّلة بإدارة شؤونه.

وأشار البيان إلى أن هذه الممارسات تمثل خرقاً واضحاً للقانون الدولي واتفاقية جنيف الرابعة، كما تخالف اتفاقية “وادي عربة” لعام 1994 واتفاقية عام 2013 مع الرئيس الفلسطيني محمود عباس، التي أكدت الوصاية الهاشمية على المقدسات الإسلامية والمسيحية في القدس.

صمت محمود عباس يثير الغضب الشعبي

رغم خطورة الحادث ووقعه على الشارع الفلسطيني والعربي، التزم رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس الصمت الكامل تجاه اقتحام بن غفير، ما أثار موجة واسعة من الانتقادات والغضب بين النشطاء الفلسطينيين الذين اعتبروا صمته “موقفاً مخزياً” و”تواطؤاً ضمنياً” مع الاحتلال.

وفي الوقت الذي توالت فيه الإدانات من الأردن وقطر وتركيا، وخرجت بيانات منظمات عربية وإسلامية تندد بالخطوة، لم يصدر عن الرئاسة الفلسطينية أو وزارة الأوقاف التابعة للسلطة أي بيان رسمي يدين الجريمة أو يحذر من تداعياتها.

ورأى محللون أن صمت عباس يعكس “انفصالاً كاملاً عن نبض الشارع الفلسطيني”، الذي يعتبر الدفاع عن الأقصى واجباً وطنياً ودينياً. وقال الباحث الفلسطيني حسن خريشة إن “غياب أي موقف رسمي من السلطة تجاه الاقتحام يعبّر عن حالة عجز سياسي وتواطؤ غير مباشر، خصوصاً أن السلطة تخشى إغضاب الحكومة الإسرائيلية أو الإدارة الأمريكية في هذه المرحلة الحساسة”.

وأضاف: “السلطة باتت محاصرة بين شعب يرفض التنازلات ويطالب بالتحرك، وقيادة تعيش تحت سقف التنسيق الأمني، ما يجعلها في موقع المتفرج بينما الأقصى يُدنّس يومياً”.

مجلس الأوقاف: الاحتلال يسعى لفرض واقع يهودي كامل

من جهته، أصدر مجلس الأوقاف والشؤون والمقدسات الإسلامية في القدس بياناً شديد اللهجة، وصف فيه اقتحام بن غفير بأنه “جزء من أسوأ عملية هدم للوضع الديني والقانوني في تاريخ المسجد الأقصى”.

وأشار المجلس إلى أن سلطات الاحتلال والجماعات اليهودية المتطرفة تمارس انتهاكات ممنهجة تشمل تكثيف الاقتحامات، وإقامة طقوس توراتية، ورفع الأعلام الإسرائيلية، وتقديم قرابين داخل باحات المسجد، فضلاً عن مضايقة حراس الأوقاف وعرقلة مشاريع الإعمار الهاشمي.

وأكد المجلس أن هذه الانتهاكات تهدف إلى “تفريغ المسجد من المصلين المسلمين وتحويله إلى معلم يهودي بالكامل”، محذراً من أن “السكوت العربي والإسلامي، ولا سيما من السلطة الفلسطينية، يشجع الاحتلال على المضي في مخططاته لتهويد القدس”.

القدس.. ساحة صراع تتجاوز السياسة

يرى مراقبون أن تكرار اقتحامات بن غفير يعكس سياسة رسمية تسعى إلى اختبار حدود ردود الفعل الفلسطينية والعربية، في ظل انشغال العالم بالحرب على غزة والانقسام الداخلي الفلسطيني.

ويؤكد المحللون أن صمت السلطة الفلسطينية ليس مجرد تقصير، بل هو جزء من “تفاهمات غير معلنة” مع واشنطن وتل أبيب، تهدف إلى إبقاء الوضع في الضفة الغربية تحت السيطرة، مقابل استمرار الدعم المالي والسياسي للسلطة.

وفي المقابل، حذر ناشطون مقدسيون من أن استمرار هذا الصمت “سيؤدي إلى انفجار لا يمكن احتواؤه”، معتبرين أن الأقصى “ليس ملفاً تفاوضياً بل قضية وجود وهوية”.

خاتمة: صمت يوازي الجريمة

بينما يواصل بن غفير اقتحام المسجد الأقصى متحدياً كل القوانين والأعراف، يبقى الصمت الفلسطيني الرسمي برئاسة محمود عباس أكثر ما يثير الجدل والغضب، إذ يراه كثيرون تواطؤاً مغطى بالدبلوماسية.

وفي وقت تتصاعد فيه التحذيرات الأردنية من انفجار ديني قادم، وتتعالى أصوات المقدسيين دفاعاً عن المسجد، يظل غياب القيادة الفلسطينية عن المشهد علامة على أزمة الشرعية والموقف، إذ لم يعد الصراع فقط بين احتلال وشعب، بل بين مقاومة حية وسلطة صامتة.

اقرأ أيضًا : المقـ.ـاومة تتخلص من عملاء الاحتلال وتطهر غزة من العصابات