في تطور لافت يعكس عمق المأزق الإسرائيلي، أقرّ عدد من وزراء حكومة بنيامين نتنياهو بفشل العمليات العسكرية المتواصلة في قطاع غزة، مشيرين إلى أنها باتت تفتقر لأي نتائج ملموسة رغم مرور أكثر من ثمانية أشهر على اندلاع العدوان. 

ووفق ما نقلته القناة الإسرائيلية الثانية عشرة، أكد ثلاثة وزراء أن الحرب في غزة بقيت حبيسة “التصورات النظرية”، لكنها عملياً لم تُحقق أهدافها، مشددين على ضرورة التحرك نحو مسار جديد سواء على المستوى العسكري أو السياسي. 

ويأتي هذا الاعتراف بالتزامن مع تصاعد الدعوات داخل الائتلاف الحكومي، وحتى من داخل حزب “الليكود”، لإنهاء الحرب والتوصل إلى صفقة تبادل أسرى تعيد الجنود والمدنيين الإسرائيليين المحتجزين في غزة.

مأزق الحكومة تفاقم بعد الكمين القاتل الذي نفذته كتائب القسام مؤخراً في خان يونس، وأسفر عن مقتل سبعة جنود إسرائيليين، من بينهم ضابط. هذه العملية أظهرت مدى قدرة المقاومة الفلسطينية على تنظيم كمائن محكمة، رغم ضراوة القصف وعمق الاجتياح، ما أدى إلى حالة من الذهول داخل المؤسسة العسكرية، وولّد ضغطاً هائلاً على نتنياهو من عائلات الجنود والطبقة السياسية.

مشاورات أمنية بلا رؤية واضحة ومؤشرات على قبول الصفقة

في خضم هذا الوضع المربك، عقد نتنياهو سلسلة مشاورات أمنية مع مجموعة وزارية مصغّرة وكبار المسؤولين في الجيش وجهاز “الشاباك”، لبحث مستقبل العمليات في غزة وسيناريوهات صفقة الأسرى. 

وبحسب التسريبات الإعلامية، فإن رئيس الوزراء لا يزال متمسكاً بخطة “العمل المرحلي” التي طرحها المبعوث الأميركي ستيف ويتكوف، والتي تدرج الاتفاق على مراحل تبدأ بإطلاق الأسرى مقابل وقف إطلاق نار جزئي. غير أن هذه الخطة تلقى معارضة من أطراف عدة، لكونها لا تضمن وقفاً شاملاً للعدوان ولا تشمل انسحاباً كاملاً من غزة، وهو ما يشكك في جدواها على المدى البعيد.

اللافت أن مسؤولين من حزب الليكود بدأوا يلمّحون إلى أن نتنياهو قد يوافق على صفقة إذا تم طرحها بشكل رسمي، في إشارة إلى تغير محتمل في الموقف الرسمي، نتيجة فشل الحسم العسكري وارتفاع الكلفة السياسية والشعبية لاستمرار الحرب. وتزامن ذلك مع تصريحات لرئيس لجنة المالية في الكنيست، موشيه غافني، أعرب فيها عن دهشته من إصرار الحكومة على مواصلة القتال رغم استمرار خسائر الجنود، بينما أكدت هيئة عائلات الأسرى أن الحرب “تدار بلا هدف حقيقي”، مطالبة بوقفها والتحلي بالشجاعة لإبرام صفقة تُعيد المختطفين وتُنهي حمام الدم.

حماس تؤكد صمودها واستعدادها للاتفاق ونتنياهو يعرقل

على الجانب الآخر، تواصل حركة حماس التأكيد على استعدادها لإبرام اتفاق يحقق وقفاً دائماً لإطلاق النار، وانسحاباً شاملاً لقوات الاحتلال من القطاع، إضافة إلى رفع الحصار والشروع في الإعمار وتنفيذ صفقة تبادل أسرى. وفي بيان رسمي، حمّلت الحركة حكومة نتنياهو المسؤولية الكاملة عن تعثر المفاوضات، متهمة إياه بالمماطلة والتلاعب بالوقت من أجل تحقيق مكاسب سياسية شخصية على حساب معاناة المدنيين.

وأكدت حماس أن العمليات التي تنفذها كتائب القسام وسرايا القدس في الميدان تُثبت فشل الاحتلال في كسر إرادة الشعب الفلسطيني، مشيرة إلى أن المقاومة لا تزال تمتلك زمام المبادرة رغم فارق الإمكانات العسكرية. وشدد المستشار الإعلامي لرئيس المكتب السياسي لحماس، طاهر النونو، على أن الحركة لم تلمس أي تغيير جدي في موقف الحكومة الإسرائيلية، معتبرًا أن تصريحات ترامب حول وجود “أخبار جيدة” بشأن غزة لا تكفي، وأن المطلوب هو ضغط أميركي فعلي يجبر تل أبيب على وقف العدوان.

وعلى الرغم من أن نتنياهو يواجه ضغوطًا شديدة من عائلات الأسرى والمعارضة السياسية، إلا أنه لا يزال يضع شروطًا تعجيزية – كشرط نزع سلاح المقاومة وإقصاء حماس من المشهد السياسي في غزة – وهي شروط تبدو غير واقعية، ولا تجد لها صدى حتى لدى حلفاء إسرائيل في الغرب، الذين بدأوا يعبّرون عن ضيقهم من استمرار الحرب دون رؤية واضحة.

فشل الاحتلال في كسر غزة يعزز صمود الفلسطينيين

منذ السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023، تخوض غزة معركة وجود ضد آلة عسكرية ضخمة، ووسط مجازر مروعة وخسائر بشرية فادحة تجاوزت 188 ألف شهيد وجريح، وصفتها منظمات أممية بأنها “إبادة جماعية”. ومع ذلك، لم تنكسر إرادة الشعب الفلسطيني، بل زادت قدرته على الصمود، وأثبتت المقاومة أنها قادرة على الدفاع وفرض معادلات جديدة.

اليوم، تبدو الحكومة الإسرائيلية محاصرة داخلياً وخارجياً، وسط اعترافات بالفشل وواقع ميداني يستنزف الجنود والموارد. وفي المقابل، تبرز غزة كميدان للكرامة والصبر، تُعيد تشكيل الوعي الإقليمي والدولي، وتفرض معادلة جديدة قوامها أن القوة العسكرية وحدها لا تكفي، وأن الشعوب التي تقاتل من أجل حريتها لا تُهزم.

اقرأ أيضًا : كمين القسام المميت في خانيونس.. لقطات تحبس الأنفاس