في خطوة تحمل أبعادًا استراتيجية تتجاوز مجرد بيع سلاح، وافقت الولايات المتحدة على تزويد المملكة العربية السعودية بصواريخ ذكية موجهة بالليزر من طراز Advanced Precision Kill Weapon System، في صفقةٍ توصف بأنها أكثر من مجرد صفقة تجارية، بل “رسالة تهديد مبطّنة” إلى إيران.
هذا التحرك يعكس تحوّلاً في توجهات واشنطن التي بدأت تستعيد شراكتها القديمة مع الرياض، في وقت تتزايد فيه التوترات الإقليمية، من اليمن إلى البحر الأحمر، مرورًا بالملف النووي الإيراني والآن من أجل التطبيع مع الاحتلال الإسرائيلي.
الصفقة، التي أعلنت تفاصيلها مواقع أمريكية وغربية، من بينها “نوتيتسي جيوبوليتيكي”، تؤكد على أن واشنطن لا تزال ترى في تسليح حلفائها وسيلة للردع، ورسالة سياسية موجهة لأعدائها، في مقدمتهم إيران.
فالصواريخ الجديدة ليست مجرد أدوات عسكرية، بل جزء من مشهد معقّد من التوازنات في الشرق الأوسط، وسط عودة الحديث عن ترتيبات جديدة لما بعد حرب غزة، واحتمالات التطبيع بين السعودية وإسرائيل.
صواريخ ذكية وسيناريوهات هجينة: الميدان اليمني في الحسبان
من الناحية العسكرية، تُعتبر الصواريخ الموجهة من هذا النوع مثالية للعمليات في المناطق الرمادية، كالساحة اليمنية، حيث تخوض السعودية حربًا مع مليشيا الحوثي المدعومة إيرانيًا.
فهذه الذخائر، التي تبلغ تكلفة الواحدة منها نحو 22 ألف دولار فقط، تتميز بقدرتها العالية على إصابة أهداف خفيفة الحركة مثل الطائرات المسيّرة أو المركبات الصغيرة أو مواقع الميليشيات، مع تقليل الخسائر بين المدنيين.
وهي سلاح مناسب تمامًا لحروب منخفضة الحدة، مرتفعة التعقيد، كتلك التي تشهدها المنطقة.
لكن وراء الطابع الدفاعي الظاهر للصفقة، تكمن أبعاد أكثر عمقًا تتعلق بتعزيز استعداد السعودية لاحتمالات تصعيد مستقبلي.
فعودة دونالد ترامب إلى البيت الأبيض، تفتح الباب أمام سياسات أكثر تشددًا تجاه إيران، وقد تكون هذه الصفقة تمهيدًا لإعادة تشكيل البيئة الإقليمية بما يتوافق مع رؤية إدارة أمريكية قادمة تتبنى موقفًا هجوميًا تجاه طهران.
دعم للتحالف وإنفاق بن سلمان
الصفقة تعكس أيضًا اهتمامًا أمريكيًا بإنعاش الصناعات الدفاعية، التي أصبحت ركيزة أساسية في الاقتصاد الأمريكي، خاصة في ظل الحرب الأوكرانية التي تستنزف مخزونات الأسلحة وتضغط على ميزانية الدفاع.
ويشير التقرير إلى أن اختيار شركة “BAE Systems” كمقاول رئيسي يعكس هذا التوجه، فكل عقد تسليح ليس فقط دفعة اقتصادية، بل أيضًا استثمار سياسي داخلي، خاصة في الولايات التي تعتمد على الصناعة الحربية كمصدر للعمل والتمويل.
من الجانب السعودي، تؤكد هذه الصفقة على استمرار الرياض في تحديث ترسانتها العسكرية بميزانية تصل إلى 78 مليار دولار، مما يجعلها من بين أكبر مستوردي الأسلحة في العالم، وهو ما يراه معارضون إهدار لمقدرات المملكة.
وهي في نظر واشنطن “شريك صعب لكنه مربح”، يمتلك قدرة شراء دائمة وهامشًا سياسيًا يتيح له التحرك بحرية.
لكن الأبعاد السياسية لا تتوقف هنا. فهذه الصفقة، بحسب قراءة الموقع الإيطالي، تندرج ضمن استراتيجية أمريكية أوسع لتأكيد تموضع السعودية مجددًا كحليف رئيسي في الخليج، بعد مرحلة من التوترات ترافقت مع الانفتاح الأمريكي السابق على إيران والانسحاب الفوضوي من أفغانستان.
تطبيع بن سلمان
ما يجعل هذه الصفقة أكثر من مجرد بيع أسلحة، هو توقيتها السياسي والجيوسياسي، إذ تأتي في وقت بالغ الحساسية، وسط تصعيد في البحر الأحمر، وغموض يلف مستقبل غزة، ومفاوضات متعثرة حول البرنامج النووي الإيراني.
وهي ترسل، كما يشير التقرير، رسالة مزدوجة: من يصطف مع واشنطن ضد طهران، ويضمن “الاستقرار”، سيُكافأ بالتكنولوجيا المتطورة، والدعم المالي، والتغطية السياسية.
إلا أن هذا الخيار ليس بلا ثمن. فكل تعزيز لقدرات السعودية العسكرية قد يُفسَّر في طهران بأنه تهديد مباشر.
والرد الإيراني قد لا يكون تقليديًا، بل قد يظهر في ميادين أخرى مثل العراق أو لبنان، في مشهد قد يتحول إلى “تأثير دومينو” يزيد من هشاشة المنطقة.
والأكثر من ذلك، أن هذه الصفقة تفتح الباب أمام تحليلات تربطها بترتيبات تطبيع محتملة بين السعودية والاحتلال الإسرائيلي خاصة أن واشنطن تدمج بين مفردات الدبلوماسية والسلاح في خطابها الإقليمي.
فهل تكون هذه الصواريخ تمهيدًا لاتفاق أكبر يشمل تقاربًا سعوديًا إسرائيليًا برعاية أمريكية؟
اقرأ أيضًا : هجوم على كييف ومحادثات في الرياض.. هل تغسل السعودية دم خاشقجي بدبلوماسية السلام؟