بقلم /  مكرم بعد الكريم 

في واحدة من أبشع الشهادات عن القمع الممنهج في مصر، روى معتقل مصري ستيني تفاصيل تجربة اعتقاله التي استمرت 11 شهراً، عاش خلالها فصولاً من التعذيب النفسي والجسدي والإذلال اليومي داخل سجون نظام عبد الفتاح السيسي. 

الرجل الذي عمل موظفاً في شركة صناعية، ثم اضطر للتقاعد المبكر بعد إفلاسها، لم يتوقع أن صفحة بسيطة على “فيسبوك” ينشر من خلالها أخبار المجتمع المحلي، ستتحول إلى فخ أمني ينهي حياته الاجتماعية والمهنية.

صفحة بلغ متابِعوها أكثر من 30 ألفاً، جذبت عيون أجهزة الأمن الوطني، التي بحثت في تاريخه الاجتماعي، ووجدت صلات قديمة بقيام صلاة العيد في الخلاء، أو بناء مسجد في قريته، أو معرفة ببعض المعارضين المعتقلين منذ 2013.

هذه الذرائع كانت كافية لاقتحام منزله فجراً، تكسير ممتلكاته، سرقة الهواتف، ثم اقتياده مع عشرات آخرين في حملة أمنية عشوائية، انتهت باعتقال 47 شخصاً لا يعرف بعضهم بعضاً، واتهامهم بتشكيل تنظيم سري لقلب نظام الحكم.

زنازين بلا إنسانية ومعاناة الأسر

منذ لحظة الاعتقال، بدأت رحلة العذاب. حبس بلا جناية، تجديد تلقائي، واتهامات مفبركة. المعتقل يروي كيف قضوا ليالي الشتاء نائمين على الأرض الباردة، يعانون التكدّس الخانق في الصيف، وحمام غير آدمي، وطعام لا يصلح للبشر.

الأسوأ أن إهانة الأهالي كانت جزءاً من العقاب الممنهج، إذ تُفتَّش الأطعمة وتُسرق أفضل محتوياتها، بينما يُعامل ذوو المعتقلين بامتهان أمام أعين أبنائهم.

ثم جاءت تجربة الترحيل إلى سجن وادي النطرون. ست ساعات داخل صندوق حديدي، تحت شمس صحراء مصر اللاهبة، بلا ماء ولا تهوية. تجربة كادت تودي بحياتهم، في مشهد ذكّرهم بجريمة “سيارة الترحيلات” عام 2013، حين اختنق 37 معتقلاً حتى الموت.

وعند الوصول، بدأت معاناة جديدة: طعام السجن سيئ ورديء، والوجبات البروتينية تأتي مرة واحدة في الأسبوع وغير ناضجة. حتى “الكانتين” الذي يُفترض أنه وسيلة لتحسين ظروف المعيشة، تحوّل إلى وسيلة ابتزاز، بأسعار باهظة وخدمات مشروطة بالرشوة.

اقتصاد الظلم داخل الأسوار

داخل السجن، لم يكن الفساد غائباً. يروي المعتقل السابق أن بعض العاملين يتربحون من تهريب الطعام والهواتف، وأن هناك من يتمتع بامتيازات مقابل الولاء أو دفع الأموال: شاشات تلفزيون، سخانات كهربائية، خروج حر من العنابر، وزيارات مفتوحة. 

في المقابل، كان المعتقلون العاديون يعيشون الجحيم. وهكذا تشكل داخل السجون “اقتصاد ظل” مبني على الرشوة والابتزاز، يحمي شبكة المنتفعين من الضباط والسجّانين.

التهديد لم ينتهِ عند الإفراج. فقد أُبلغ الرجل وزملاؤه صراحة بأن أي تحرك لاحق قد يؤدي لإعادة اعتقالهم. وهو اليوم يعيش شبه إقامة جبرية، لا يجرؤ على مغادرة منزله أو حضور مناسبة اجتماعية، ويخشى حتى من إعادة تفعيل صفحته على الإنترنت. 

توقفت حياته وحياة أسرته بالكامل، وأصبح يعيش تحت ظل تهديد دائم، ما دفعه اضطراراً للتقرب من مرشحي حزب “مستقبل وطن” الموالي للنظام، في محاولة لتأمين نفسه من الملاحقة.

إرهاب الكلمة وقوانين القمع

هذه الشهادة ليست استثناءً، بل جزء من سياسة ممنهجة منذ انقلاب السيسي في 3 يوليو 2013. فمنذ ذلك الحين، جرى إغلاق المجال العام، وأُصدرت قوانين تجرّم الكتابة والنشر، حتى عبر الإنترنت. 

تُستخدم مواد مثل (188) من قانون العقوبات، إلى جانب قوانين مكافحة الإرهاب، ومواد من قانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات (27، 28، 30)، لملاحقة المواطنين بسبب منشورات بسيطة، تصل عقوبتها للحبس والغرامة، تحت ذريعة تهديد “الأمن القومي”.

القصة الأخرى التي تكشف حجم البطش، يرويها مواطن يدير صفحة اجتماعية محلية. كتب منشوراً عن حريق في قريته وغياب قوات الإطفاء، فوجد نفسه مستدعياً للتحقيق، وأُجبر على حذف المنشور وكتابة آخر يشيد بوزارة الداخلية.

الضابط قال له بوضوح: “المرة الجاية مش هتشوف الشمس”. هذا النموذج يلخص كيف حوّل السيسي الإنترنت من مساحة حرة للتعبير، إلى فخ لكل صاحب رأي.

صيدنايا السيسي.. مصر خلف القضبان

إذا كان سجن صيدنايا في سوريا رمزاً للرعب والتعذيب في عهد بشار الأسد، فإن سجون مصر اليوم ليست أقل وحشية. وادي النطرون، العقرب، المنيا، برج العرب، تحولت جميعها إلى “صيدنايا السيسي”، حيث تتكسر إنسانية المعتقلين تحت وطأة الإهانة، ويموت الأمل ببطء بين جدران رطبة وزنازين مظلمة.

تجربة المعتقل الستيني تكشف أن ما يحدث ليس مجرد “أخطاء فردية”، بل سياسة ممنهجة لإرهاب المجتمع بأكمله: اعتقالات بلا جناية، تعذيب جسدي ونفسي، ابتزاز مالي، قمع الكلمة، وملاحقة أي صوت خارج عن السطر. النتيجة: ملايين المصريين يعيشون في رعب صامت، بين خوف من السجن، ورغبة في النجاة.

ومع استمرار هذا النهج، يرسخ السيسي صورته كحاكم خائن لشعبه، حول مصر إلى سجن كبير، وزرع داخل كل بيت شعوراً بالعجز والخوف. لكن هذه الشهادات، مهما حاول النظام التعتيم عليها، تبقى شاهداً على عصر مظلم لن يُمحى من ذاكرة المصريين.