في تصعيد جديد لحرب الظل بين طهران وتل أبيب، أعلنت السلطات الإيرانية عن اعتقال خلية تابعة لجهاز الاستخبارات الإسرائيلي “الموساد” في مدينة “ري” جنوب العاصمة طهران، في عملية وصفت بأنها “كبيرة وناجحة”، أسفرت عن ضبط معدات متطورة لتصنيع طائرات مسيّرة انتحارية ومواد متفجرة كانت معدّة لاستخدامات تخريبية داخل البلاد.

 

تفاصيل الاعتقال والمضبوطات

ونقلت وكالة “مهر” الإيرانية عن العقيد حسين مافي، قائد شرطة مدينة ري، أن قوات الأمن داهمت منزلًا بعد تلقي بلاغ عن “نشاط مشبوه”، وتمكنت من القبض على أعضاء خلية قال إنها “إرهابية” وترتبط مباشرة بجهاز الموساد.

وأوضح مافي أن العملية أدّت إلى ضبط عدد كبير من الطائرات المسيرة الانتحارية الجاهزة للاستخدام، بالإضافة إلى معدات تصنيع، ومنصات إطلاق، وقنابل محلية الصنع، ووسائل تحكم متطورة.

كما ذكرت وكالة “فارس” الإيرانية أن العملية الأمنية لم تقتصر على مدينة ري، بل شملت حملات متزامنة في مناطق أخرى، أفضت إلى اعتقال عميلين للموساد في محافظة ألبرز شمال طهران، بحوزتهما أكثر من 200 كيلوغرام من المواد المتفجرة، و23 طائرة مسيرة ومنصات إطلاق.

أبعاد استراتيجية وتوقيت لافت

العملية تأتي في توقيت حساس، بعد أيام قليلة من تصاعد التوتر بين إيران وإسرائيل، الذي بلغ ذروته عقب هجوم تل أبيب على أهداف إيرانية فجر الجمعة، في ردّها على الضربات الصاروخية الإيرانية التي استهدفت تل أبيب وحيفا. ووفق مصادر أمنية إسرائيلية نقلت عنها هيئة البث العبرية الرسمية، نفذ الموساد ثلاث عمليات داخل إيران بالتوازي مع الهجمات الجوية.

تشمل هذه العمليات نشر أنظمة توجيه دقيقة قرب مواقع صواريخ إيرانية، واستخدام فرق كوماندوز سرية لتفعيل تلك الأنظمة مع بدء الهجوم الإسرائيلي، ما مكّن من ضرب الأهداف بدقة عالية.

المصنع.. واجهة أم رأس الجبل الجليدي؟

المثير في إعلان طهران ليس فقط كمية المضبوطات أو ارتباط الخلية بالموساد، بل ما كشفته العملية عن وجود “مركز تصنيع طائرات مسيرة” داخل العاصمة الإيرانية، وهو ما يشير إلى مستوى متقدم من التخطيط والتغلغل الاستخباراتي الإسرائيلي في قلب البلاد.

بعض المحللين الإيرانيين يرون أن “المصنع” ليس إلا واجهة لخلايا أخرى غير مكتشفة بعد، بينما يشير مراقبون إلى أن الموساد ربما استطاع عبر سنوات زرع شبكات لوجستية وتقنية داخل المدن الإيرانية، لا يقتصر دورها على التجسس بل يتعداه إلى تنفيذ هجمات أو تمهيد الأرض لهجمات خارجية.

الموساد وتكتيكات الهجوم الخفي

وفق المصدر الإسرائيلي الذي تحدث لهيئة البث العبرية، فإن واحدة من المهام الثلاث تمثلت في زرع أجهزة هجومية على مركبات في الداخل الإيراني لتعطيل الدفاعات الجوية في اللحظة المناسبة. ويُعتقد أن هذه الأجهزة مكّنت سلاح الجو الإسرائيلي من تنفيذ ضربات داخل إيران دون أن تواجه ردودًا دفاعية فعالة.

أما المهمة الثالثة فكانت أكثر جرأة، حيث قال المصدر إن الموساد أنشأ قاعدة داخلية لطائرات مسيّرة متفجرة، تم تهريبها مسبقًا إلى داخل إيران وانتظرت لحظة التفعيل بالتوازي مع الغارات الجوية.

قراءة أمنية: تطور في حرب الجواسيس

الاعتقالات الأخيرة تشير إلى أن إيران نجحت مؤقتًا في كشف إحدى خلايا “الحرب الصامتة” الدائرة بينها وبين إسرائيل، والتي خرجت مؤخرًا من الظلال إلى العلن. فبينما كانت العمليات سابقًا تقتصر على اغتيالات أو تسريبات محدودة، فإننا نشهد الآن نمطًا أكثر عدوانية، يدمج بين الحرب الإلكترونية، الطائرات المسيرة، والتخريب الداخلي المنظم.

وبالنظر إلى السياق الإقليمي، فإن ضبط مصنع للطائرات المسيرة داخل إيران يشير إلى تحوّل خطير: فالموساد لم يعد يكتفي برصد الأهداف أو تصفية العلماء، بل بات يسعى لخلق بنية عملياتية داخل الدولة المستهدفة، من خلال تصنيع أدوات هجومية فيها.

إيران بين الردع والاختراق

رغم نجاح العملية الأمنية، فإنها تُحرج الأجهزة الاستخباراتية الإيرانية، التي يفترض أنها تراقب بدقة كل ما يتعلق بالطائرات المسيّرة، خاصة في ظل استخدامها المكثف في جبهات مثل سوريا واليمن والعراق. ويبدو أن طهران ستوظف هذه العملية لكسب نقاط في الداخل عبر إظهار قدرتها على إحباط عمليات خطيرة، لكنها في المقابل ستجد نفسها مضطرة لإعادة تقييم بنيتها الأمنية.

خلاصة

اعتقال خلية الموساد وضبط مصنع طائرات مسيّرة في قلب إيران يمثل ضربة أمنية كبيرة لكنها تكشف في الوقت ذاته مدى اختراق تل أبيب للساحة الإيرانية. وبينما تحاول طهران استعادة زمام المبادرة، تزداد المؤشرات على أن حرب الجواسيس بين البلدين دخلت مرحلة جديدة، لا تُدار فقط في العواصم أو على الشاشات، بل في الأحياء السكنية والورش الصناعية وعلى تخوم منشآت عسكرية حساسة.

اقرأ أيضًا : إسرائيل تهاجم مستودع نفط وموقعًا نوويًا في طهران.. وإيران تتصدى للمسيّرات وتتوعد بالرد