تحليل سياسي – قراءة في كواليس التصعيد الجيوسياسي

شهدت منطقة الشرق الأوسط قفزة جديدة نحو حافة الانفجار الشامل، عقب الموجات المتتالية من الضربات الصاروخية والجوية التي شنتها القيادة المركزية الأمريكية (سنتكوم) لليلة الثانية على التوالي، مستهدفةً منشآت حيوية على طول الساحل الجنوبي والجنوب الشرقي لإيران. هذه الهجمات المباشرة، التي جاءت بقرارات حاسمة من الرئيس الأمريكي دونالد ترمب، لم تعد مجرد مناوشات عابرة، بل دشّنت فصلاً جديداً من فصول المغامرات العسكرية الغربية التي تهدف إلى إعادة رسم توازنات القوة والنفوذ في الممرات المائية الحيوية، وتحديداً مضيق هرمز. وفي المقابل، تعيش تل أبيب حالة من الاستنفار والجاهزية القصوى، في انتظار رد فعل إيراني بات في حكم “الحتمي” وفق تقييمات الدوائر الأمنية.

إن تفكيك خيوط هذا المشهد المعقد، بعيداً عن البروباغندا الغربية أو الاصطفافات الإقليمية، يعري حقيقة التحالف الأمريكي-الإسرائيلي ويكشف الأبعاد الحقيقية لهذا التصعيد المسعور:

1. سياسة “العصا الغليظة” وتكريس الهيمنة الأمريكية

تُثبت الهجمات الأمريكية الأخيرة مجدداً أن واشنطن لا تزال متمسكة بعقيدة القوة المفرطة كأداة وحيدة لفرض إملاءاتها السياسية والاقتصادية على المنطقة. ورغم اللهجة العنيفة والإنذارات الصارمة التي وجهها ترمب لطهران، فإن الإستراتيجية الأمريكية تعتمد حالياً على “المماطلة العملياتية” الخشنة؛ أي توجيه ضربات موجعة ومحدودة لإخضاع الطرف الآخر دون الانزلاق إلى حرب إقليمية شاملة ومفتوحة.

هذا الحذر الأمريكي المحسوب لا ينبع من الرغبة في إحلال السلام، بل يخضع لـ حسابات داخلية براغماتية بحتة، تتلخص في نقطتين:

  • استقرار أسواق الطاقة: يدرك ترمب أن اندلاع حرب شاملة سيتسبب في قفزة جنونية لأسعار النفط العالمية، وهو ما ترغب إدارته في تلافيه تماماً قبيل انتخابات التجديد النصفي للكونغرس المقررة في نوفمبر/تشرين الثاني المقبل.

  • الأجندة السياسية والرياضية: تسعى واشنطن للحفاظ على هدوء نسبي يضمن انسيابية الأحداث الدولية الكبرى، ومنها مباريات كأس العالم لكرة القدم، مما يعني أن الاستعراض العسكري الحالي هو أداة لابتزاز المنطقة وتأمين المصالح الأمريكية الحيوية على حساب سيادة واستقرار شعوبها.

2. الانتهازية الإسرائيلية والمقامرة بتفجير المنطقة

على المقلب الآخر، تتحرك تل أبيب بدافع انتهازي صارخ، محاوِلةً استغلال الذراع العسكرية الأمريكية الثقيلة لتصفية حساباتها الخاصة وتصدير أزماتها السياسية الداخلية. وجاء رفع حالة التأهب إلى أقصى درجاتها في صفوف جيش الاحتلال الإسرائيلي ليعكس رغبة واضحة في دفع الأمور نحو حافة الهاوية، وجر واشنطن إلى مواجهة أوسع لا تُبقي ولا تذر.

وتكشف المؤشرات الميدانية عن مستوى غير مسبوق من التنسيق المشترك لتسهيل الاعتداءات:

  • المدد اللوجستي الجوي: إعادة طائرات التزويد بالوقود الأمريكية إلى الشرق الأوسط بعد أن نُقلت سابقاً إلى أوروبا، تمثل ضوءاً أخضر عملياتياً لتسهيل أي غارات إسرائيلية محتملة بعيدة المدى ضد العمق الإيراني (الدائرة الثالثة).

  • غرف العمليات المشتركة: الاجتماعات الماراثونية التي شهدها مقر وزارة الدفاع الإسرائيلية (الكرياه) بمشاركة رئيس الأركان إيال زامير وقادة الاستخبارات وسلاح الجو، والاتصال المباشر مع البنتاغون، يثبتان أن الطرفين يعملان ككتلة عدوانية واحدة.

  • إلغاء الزيارات العسكرية: جاء إلغاء وزير الدفاع الأمريكي بيت هيغسيث لزيارته التي كانت مقررة لتل أبيب، ليعكس انخراط البنتاغون المباشر في غرف العمليات للمصادقة على خطط هجومية مشتركة تستهدف منشآت اليورانيوم ومخازن التخصيب الإيرانية.

3. الصراع على الجغرافيا وغياب البديل السيادي

تكمن المأساة الكبرى في هذا المشهد في أن عواصم المنطقة ومصالح شعوبها ومقدراتها الحيوية باتت مغيبة تماماً، وتحولت الجغرافيا العربية إلى مجرد ساحة خلفية لتصفية الحسابات وتبادل الرسائل النارية بين قوى الهيمنة الاستعمارية (أمريكا وإسرائيل) من جهة، وبين المشروع الإقليمي الإيراني بأجندته الخاصة من جهة أخرى.

وبينما يصر رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو على أن “هناك عملاً لم ينتهِ بعد في إيران”، يرى ترمب أن هذه الضربات المتتالية على مدار أيام هي الوسيلة المثلى لإنهاء ما يصفه بـ”المراوغة الإيرانية” وكسب الوقت في المفاوضات. هذا التقاطع والتنافر بين الحليفين يؤكد أن السياسة الغربية لا تقيم وزناً لأمن المنطقة، بل توظف التفوق العسكري لفرض واقع استعماري جديد، مستغلة في ذلك غياب مشروع سيادي موحد قادر على حماية الأمن القومي، وقطع الطريق أمام كافة التدخلات والمشاريع الخارجية، أياً كان مصدرها أو شعارها.

خلاصة القول: إن التصعيد العسكري الجاري فوق مياه الخليج ومضيق هرمز يعري حقيقة التحالف الأمريكي-الإسرائيلي كعامل تفجير رئيسي ومستمر في الشرق الأوسط، حيث تُستخدم لغة النار والعدوان لفرض شروط الاستسلام السيادي وتثبيت أركان الهيمنة. وفي ظل غياب موقف سياسي مستقل يرفض الانصياع للإملاءات الغربية، وفي الوقت ذاته يحمي أمنه من الأطماع التوسعية الإقليمية الأخرى، ستبقى المنطقة بأكملها رهينة لسيناريوهات التدحرج نحو الانفجار الكبير الذي تديره واشنطن وتل أبيب وفقاً لمصالحهما الإستراتيجية الخاصة.