وسط أزيز الطائرات، ورائحة الدم والبارود، وقفت الطبيبة الإيطالية المتطوعة تيزيانا روجيو داخل مستشفى ناصر بمدينة خان يونس جنوب قطاع غزة، لتروي بعيون غربية ما تتجنبه عدسات الإعلام الغربي، وتفضح بصدق وشجاعة الجرائم الإسرائيلية المتواصلة بحق المدنيين والمنشآت الطبية.
من خلال كلماتها، نقلت روجيو صورة مأساوية عن الانهيار الكامل للمنظومة الصحية في غزة، مؤكدة أن الاحتلال لا يستهدف فقط البشر، بل يدمر سبل الحياة، بدءاً بالمستشفيات وانتهاءً بأبسط أدوات الإسعاف.
لقد أصبحت شهادة هذه الطبيبة المتطوعة بمثابة صفعة في وجه الرواية الإسرائيلية التي تزعم أن استهداف المستشفيات مبرر عسكري، لتؤكد من داخل غرفة العمليات، أن ما يجري هو تجويع ممنهج وقصف متعمد يرقى إلى جريمة حرب مكتملة الأركان.

الواقع داخل المستشفى: بين القصف والنزيف والعجز
تقول روجيو، التي تطوعت ضمن الطواقم الطبية في قطاع غزة، إن الوضع داخل مستشفى ناصر “كارثي حقًا”، مشيرة إلى أن الجيش الإسرائيلي يقصف مناطق قريبة جدًا من المستشفى، ما دفع الطواقم إلى إجلاء المرضى والجرحى رغم خطورة ذلك. وتضيف: “في حال تم إخلاء مستشفى ناصر، فلن يكون أمام المرضى أي مكان آخر يلجؤون إليه”، لأن المستشفى يُعدّ الوحيد في جنوب غزة القادر على استيعاب أكثر من 200 مريض، ويحتوي على أربع غرف جراحية ومولدات أوكسجين وكهرباء.
وتوضح الطبيبة الإيطالية أن القصف القريب والمتكرر تسبب في حالة من الذعر، وأصاب الطواقم الطبية بحالة قلق دائم. ففي الوقت الذي يتوجب فيه على الأطباء التركيز في إنقاذ الأرواح، تُفرض عليهم معادلة مستحيلة: العمل تحت الخطر المباشر من قصف يمكن أن يصيب المستشفى في أي لحظة.
لكن القصف ليس وحده ما يهدد حياة المرضى، فإغلاق المعابر لأكثر من 90 يوماً أدى إلى نقص فادح في المواد الأساسية، بداية من القفازات الطبية والمعقمات وحتى المضادات الحيوية والمهدئات. وتشير روجيو إلى أنهم اضطروا إلى استخدام أدوات بديلة بسبب نفاد الأغطية الطبية، كما لجأوا إلى استخدام قفازات تبرع بها سكان محليون.
جرائم الاحتلال من بوابة الاستهداف الطبي
كشفت الطبيبة الإيطالية، من واقع عملها في غرف العمليات، حجم المعاناة التي يعيشها الطاقم الطبي نتيجة الحصار الإسرائيلي والاستهداف المباشر للمستشفيات.
وأكدت أن هناك حالات مرضية يمكن علاجها بسهولة في أوروبا أو الولايات المتحدة، لكنها تصبح مستحيلة في غزة بسبب غياب الإمكانيات، ما يؤدي إلى موت المرضى أمام أعين الطواقم الطبية.
وقالت بأسى: “فقدنا طفلاً صغيراً الأسبوع الماضي نتيجة مضاعفات بسيطة كان من الممكن تداركها لو توفرت المضادات الحيوية”.
وأضافت: “الجروح التي نتعامل معها عميقة وملوّثة، ناجمة عن القنابل والانفجارات، ولا نملك الإمكانات الكافية لتطهيرها أو معالجتها بشكل صحيح”.
ولفتت إلى أن ما يتعرض له القطاع الصحي في غزة لا يمكن وصفه إلا بالانهيار الكامل، خاصة مع توقف أغلب المستشفيات عن العمل بعد استهدافها أو محاصرتها من قوات الاحتلال.
وما يزيد من المأساة هو أن البدائل المتوفرة للمستشفيات المدمرة، هي مستشفيات ميدانية مؤقتة، تفتقر لأبسط مقومات العمل مثل مولدات الأوكسجين، مما يجعلها غير صالحة للتعامل مع الجروح الحرجة أو العمليات الجراحية المعقدة.
وفي ضوء ذلك، فإن روجيو لا تكتفي بسرد المعاناة، بل تضع المجتمع الدولي أمام مسؤولياته الأخلاقية والقانونية، وتدعو علنًا إلى تدخل دولي فوري لوقف القصف واستهداف المرافق الطبية.
نفي الرواية الإسرائيلية: صوت من الغرب يكشف الحقيقة
ما يميز شهادة الطبيبة تيزيانا روجيو، أنها جاءت من متطوعة أجنبية غير منحازة، كانت تعمل سابقًا في مستشفيات الولايات المتحدة، قبل أن تنتقل إلى غزة بدافع إنساني. لكن وجودها هناك جعلها شاهدة على جرائم الاحتلال، وناطقةً بحقائق ميدانية تدحض الدعاية الإسرائيلية التي تبرر قصف المستشفيات بأنها تأوي “إرهابيين” أو “خلايا مسلحة”.
شهادة روجيو تكشف أن المستشفيات لا تضم سوى مرضى مدنيين من أطفال ونساء وشيوخ، وأن الطواقم الطبية تعمل ليل نهار لإنقاذ الأرواح رغم ظروف مرعبة. وتؤكد أن ما يحدث هو استهداف ممنهج للمرافق الصحية ضمن سياسة إبادة جماعية تهدف إلى ترك سكان غزة بلا مأوى أو علاج أو حياة.
ويُعدّ ما نقلته الطبيبة الإيطالية تأكيدًا جديدًا لما وثقته عشرات المنظمات الدولية سابقًا عن انتهاك الاحتلال لكل القوانين الدولية الإنسانية. فاستهداف المستشفيات ليس فقط جريمة حرب، بل أيضًا جريمة ضد الإنسانية لما تسببه من آثار مدمرة طويلة الأمد على المجتمع الفلسطيني بأكمله.
شهادة ضمير أممي وسط صمت الحكومات
ما بين شهادات المدنيين ومواقف المؤسسات الحقوقية، تبرز شهادة الطبيبة الإيطالية تيزيانا روجيو باعتبارها صوت ضمير عالمي من داخل غزة، يكشف حجم الجريمة ويفضح صمت الحكومات الغربية التي لا تزال تدعم الاحتلال بالسلاح والتغطية السياسية.
روجيو لم تكن ناشطة سياسية، بل طبيبة جاءت لإنقاذ الأرواح، لكنها وجدت نفسها في قلب محرقة لا ينجو فيها الأطباء ولا مرضاهم. وحين تتحدث هذه الطبيبة الأجنبية عن “الكارثة”، فهي لا تنقل رواية إعلامية، بل تصف واقعًا تحياه كل يوم.
وفي ظل استمرار القصف، وانهيار النظام الصحي، فإن شهادتها تمثل نداءً عاجلاً لإنقاذ ما تبقى من أرواح تحت الأنقاض، وصوتًا من قلب المعاناة يصرخ: “أنقذوا غزة.. أنقذوا الإنسانية!”
اقرأ أيضًا : ممن الرصيف العائم إلى شركات المساعدات.. الاحتلال يفشل في اختراق غزة