لم تعد الفاشر، عاصمة ولاية شمال دارفور، مجرد مدينة محاصَرة، بل تحولت إلى فضاء مفتوح للموت والاختفاء القسري، وفق الشهادات المتتالية التي بدأت تخرج تباعا من الناجين. رواية الطبيب السوداني محمد إبراهيم تكشف جانبًا من تلك الكارثة الإنسانية، حيث يصف كيف انهار النظام المدني خلال ساعات، لتتحول الشوارع إلى مسارات هروب بين الجثث والأنقاض.
يقول الطبيب الشاب إن اللحظات الأولى لاجتياح المدينة من قبل ميليشيا الدعم السريع كانت أقرب إلى “يوم القيامة”، إذ أُطلقت النار على المدنيين وهم يحاولون تسلق الجدران أو الاحتماء بالخنادق، بينما دهست مركبات عسكرية آخرين في الطرقات الضيقة. لم يكن هناك خط تماس واضح؛ كل شيء كان هدفًا مشروعًا للنيران.
هذه الشهادة تتقاطع مع توصيفات أممية تعتبر ما جرى في الفاشر نتيجة مباشرة لحصار طويل خنق المدينة لأشهر، قبل أن ينتهي باقتحام دموي حوّلها إلى “مسرح جريمة ضخم”، مع آلاف القتلى ومصير مجهول لعشرات الآلاف من السكان الذين لم يتمكنوا من الفرار.

الحصار الذي كسر البشر
قبل الاجتياح، كانت الفاشر تعيش حصارًا خانقًا امتد نحو عام ونصف، ما أدى إلى نفاد الغذاء والدواء. بقي الطبيب في المدينة رغم فرص الهروب السابقة بسبب النقص الحاد في الكوادر الطبية، لكنه وجد نفسه في النهاية عاجزًا حتى عن توفير الحد الأدنى من العلاج للمدنيين.
يؤكد أن السكان اضطروا إلى أكل أعلاف الحيوانات بعد نفاد الطعام، بينما تكدست العائلات في بقعة صغيرة غرب المدينة تحت القصف المستمر. لم يكن الموت فقط بالقذائف، بل أيضًا بالجوع والمرض والانهيار النفسي.
هذا الواقع يفسر لماذا تحولت محاولة الهروب الجماعي إلى مقامرة جماعية بالحياة، حيث فضّل المئات المجازفة بالخروج عبر الصحراء على البقاء داخل مدينة تتلاشى فيها كل مقومات البقاء.
رحلة الهروب بين الخنادق والرصاص
خرج الطبيب مع نحو 200 شخص، معظمهم نساء وأطفال، باتجاه بلدة طويلة غربًا. كانت الرحلة نفسها ساحة قتال متنقلة؛ عند سماع صوت شاحنة أو رؤية مقاتلين على ظهور الجمال، كان الجميع يلقون بأنفسهم أرضًا طلبًا للنجاة.
على أطراف المدينة واجهوا خنادق عميقة حفرتها الميليشيا لتشديد الحصار. ساعد الناس بعضهم بعضًا على التسلق، لكن كثيرين عجزوا عن عبور الخنادق المتتالية فعادوا أدراجهم إلى المجهول. عند أحد الخنادق أُطلق الرصاص مباشرة على المتسلقين، فسقط قتلى وجرحى، واضطر الطبيب وزميله للاختباء داخل الخندق حتى توقف إطلاق النار.
كانت تلك اللحظة فاصلة؛ فإما الاستمرار نحو المجهول أو العودة إلى مدينة أشباح.
الأسر مقابل المال
لم تكتمل الرحلة. ففي اليوم التالي أوقفتهم قوة من ميليشيا الدعم السريع، طوقت المجموعة وقتلت رجلين فورًا، ثم احتجزت عددًا من الهاربين بينهم الطبيبان.
رُبط الأسرى بالسلاسل في دراجات نارية وأُجبروا على الركض خلفها، قبل تقييدهم إلى الأشجار واستجوابهم. كان المنطق الذي واجههم صادمًا في بساطته: “أنتم أطباء، لديكم مال”.
طالبت الميليشيا بفدية قدرها 20 ألف دولار لكل طبيب. عندما ضحك إبراهيم من هول الصدمة، انهالت عليه الضربات بأعقاب البنادق. وبعد ساعات من التعذيب والتهديد بالقتل، وافق زميله على دفع 8 آلاف دولار لكل منهما، وهو مبلغ هائل في بلد لا يتجاوز متوسط الدخل الشهري فيه عشرات الدولارات.
اضطر الطبيب للاتصال بعائلته لجمع المال بأي وسيلة. وبعد تحويل المبلغ، نُقل الأسيران معصوبي الأعين في مركبات مليئة بالمقاتلين، مع وعود بإطلاق سراحهما في منطقة آمنة.
لكن بدلاً من ذلك تُركا في منطقة أخرى خاضعة لسيطرة الميليشيا نفسها، ما أثار خوفهما من اعتقال جديد، فاختبآ بين الأشجار قبل أن يتتبعا آثار عربات تقودهما أخيرًا إلى منطقة تسيطر عليها حركة تحرير السودان حيث وجدا الحماية.
نجاة فردية وكارثة جماعية
وصول الطبيب إلى طويلة كان أشبه بالولادة الثانية. هناك التقى ناجين آخرين، بينهم طبيب كان قد شاهد مقطع فيديو لاعتقاله واعتقد أنه قُتل. اللقاء تحول إلى عناق وبكاء، في مشهد يلخص حجم الصدمة الجماعية.
لكن نجاته الفردية لا تخفي الكارثة الأوسع. تقارير دولية تتحدث عن جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية ارتُكبت في الفاشر على يد ميليشيا الدعم السريع، وُصفت بأنها تتويج لحصار طويل استخدم “إجرامًا جماعيًا منظمًا وواسع النطاق لفرض السيطرة”.
كما تتزايد الاتهامات بوجود دعم خارجي لهذه الميليشيا، وعلى رأسه دعم إماراتي سياسي ومالي ولوجستي بحسب تقارير حقوقية وإعلامية متعددة، ما يجعل المأساة المحلية جزءًا من صراع إقليمي أوسع تُدفع كلفته من دم المدنيين السودانيين.
مدينة أشباح وذاكرة لا تهدأ
وُصفت الفاشر اليوم بأنها “مدينة أشباح” بعد أن فر معظم سكانها أو قُتلوا أو اختفوا. البيوت قائمة لكن الحياة غائبة، والذكريات أثقل من الأنقاض.
بالنسبة للطبيب محمد إبراهيم، انتهت رحلة الهروب، لكن الحصار لم ينته داخله. يقول إن نجاته كانت “معجزة”، لكنه ما زال محاصرًا بصور الذين سقطوا عند الخنادق وعلى الطرقات، وبصوت السلاسل وهي تُجرّ خلف الدراجات.
قصته ليست استثناءً، بل نموذج مكثف لما يعيشه آلاف السودانيين بين نار الميليشيا والحصار، في حرب تُحوّل الأطباء إلى رهائن، والنجاة إلى صفقة فدية، والمدن إلى ذاكرة مفتوحة على الفقد.
اقرأ أيضا : اختطاف العكر يفجّر غضب غزة.. عصابات عميلة بتمويل إماراتي