في تطوّر يُوصف بأنه الأهم أمنيًا في العاصمة الليبية منذ 2011، أعلن رئيس حكومة الوحدة الوطنية، عبد الحميد الدبيبة، أن وزارة الداخلية باتت الجهة الوحيدة المخوّلة بتأمين طرابلس، في خطوة تُشكّل منعطفًا فارقًا في مسار الدولة الليبية التي كانت تعاني من تغوّل الجماعات المسلحة منذ سقوط نظام معمر القذافي.

 تفكيك الميليشيات: شعار سياسي أم واقع أمني جديد؟

تصريحات الدبيبة جاءت خلال اجتماع أمني عقد في مقر وزارة الداخلية بطرابلس، أكد فيه أن “ما تحقق هو انتصار حقيقي للدولة”، وأنه تم القضاء على أكبر ميليشيا إجرامية في العاصمة، في إشارة إلى “جهاز دعم الاستقرار” بقيادة عبد الغني الككلي، والذي قُتل مؤخرًا في اشتباكات مسلّحة.

ورغم أن طرابلس شهدت محاولات متعددة للسيطرة الأمنية على مدار السنوات الماضية، إلا أن هذا الإعلان يحمل دلالات مختلفة لعدة أسباب:

  • لأول مرة منذ 13 عامًا يتم التحدث بوضوح عن احتكار وزارة الداخلية للقرار الأمني في العاصمة.

  • الإعلان جاء مدعومًا بقرارات تنفيذية فعلية، أبرزها تشكيل لجنتين أمنية وحقوقية بتنسيق بين المجلس الرئاسي وحكومة الوحدة، لمتابعة المظاهر المسلحة والسجون.

  • توقيت الإعلان يأتي عقب صدام مباشر وحاسم مع واحدة من أقوى الميليشيات في طرابلس، وهو ما يعزز جدية المسار.

 من “زمن الحاج والشيخ” إلى مؤسسة الأمن

في تعبير رمزي لافت، قال الدبيبة إن عصر “الشيخ والحاج” قد انتهى، في إشارة إلى نفوذ زعماء الميليشيات الذين تحكموا لسنوات في مفاصل الدولة الأمنية والعسكرية دون أي صفة رسمية.

هذا الخطاب يحمل رسائل مزدوجة:

  • إلى الداخل الليبي: محاولة استعادة ثقة الشارع في مؤسسات الدولة، وخصوصًا قبيل أي استحقاق انتخابي قادم.

  • إلى الأطراف الدولية: التأكيد على قدرة الحكومة المعترف بها أمميًا على فرض الأمن وإدارة العاصمة دون الحاجة إلى “حلفاء أمر واقع” من الفصائل المسلحة.

 معركة “الاحتكار الأمني” في ظل ازدواج السلطة

لا يمكن فصل هذا التطور عن السياق السياسي الأكبر: الانقسام بين حكومتين تتنازعان الشرعية منذ سنوات. فبينما يسيطر الدبيبة على طرابلس والغرب، تحكم حكومة أسامة حماد مناطق الشرق والجنوب، بدعم من قوات خليفة حفتر.

في هذا الإطار، فإن بسط السيطرة الأمنية في طرابلس يمنح حكومة الدبيبة أوراق قوة سياسية في أي حوار دولي قادم، خصوصًا في ظل تعثر الانتخابات وفشل التوافق على القوانين المنظمة لها.

لكنّ خصوم الدبيبة قد يرون في هذه الإجراءات محاولة لاحتكار النفوذ الأمني وتصفية الميليشيات غير الموالية، أكثر من كونها مشروعًا لبناء دولة مؤسسات.

 إلى أين تتجه العاصمة؟

رغم الإعلان الرسمي، فإن السؤال الجوهري يبقى: هل يمكن فعليًا إخراج السلاح من المعادلة في طرابلس؟

الوضع الأمني لا يزال هشًا، والمشهد السياسي منقسم، والميليشيات الأخرى لم تُحلّ بالكامل، بل تمّت تسويات مع بعضها ودمج عناصرها في مؤسسات الدولة، مما يجعل عملية “التطهير الأمني” عملية معقّدة وذات مخاطر.

ومع ذلك، فإن ما حدث يمثل خطوة استثنائية نحو استعادة الدولة لهيبتها في عاصمتها، وهو ما طالما طالبت به القوى المدنية والمجتمع الدولي.

 خلاصة تحليلية:

  • تفرد الداخلية بتأمين طرابلس هو أهم إنجاز أمني معلن منذ 2011، لكنه لا يزال في مرحلة اختبار ميداني.

  • نجاح هذه الخطوة مرهون بـ:

    • إرادة سياسية صلبة لاستكمال تفكيك المليشيات.

    • دعم شعبي حقيقي يرفض عودة الفوضى.

    • ضمانات دولية لمنع عودة المواجهات المسلحة بين الأطراف المتنازعة.

اقرأ أيضا: مصر بصدد رفع أسعار الوقود مجددًا ليباع بالسعر الحقيقي