في الوقت الذي يُفترض أن تحافظ فيه بريطانيا على حيادها الدبلوماسي، وتدعم حقوق الإنسان والحلول السياسية في الشرق الأوسط، كشفت صحيفة التايمز عن دور غير معلن إلى حد كبير تقوم به القوات الجوية البريطانية في دعم العمليات الإسرائيلية في قطاع غزة.
فوفقًا للتقرير، نفذت طائرات تجسس بريطانية، وعلى رأسها طائرة شادو R1، مئات الطلعات الاستطلاعية فوق القطاع منذ اندلاع الحرب في أكتوبر 2023، بهدف جمع معلومات استخباراتية تُستخدم لتحديد أماكن الأسرى الإسرائيليين.
ورغم التوترات السياسية المعلنة بين لندن وتل أبيب بشأن الاعتراف بدولة فلسطينية، إلا أن التنسيق الاستخباراتي والعسكري بين الجانبين لم يتوقف، بل يبدو أنه يزداد كثافة.

الدعم التقني والاستخباراتي: مساهمة بريطانية مباشرة في آلة الحرب
التقرير يكشف أن بريطانيا أرسلت طائرات تجسس مزودة بأجهزة استشعار كهروضوئية وإلكترونية متطورة قادرة على مسح الشوارع، وتحليل تحركات المركبات، ورصد الأبنية السكنية. هذه الطائرات أقلعت من قاعدة أكروتيري الجوية في قبرص، وهي قاعدة بريطانية تُستخدم بشكل منتظم في عمليات استخباراتية في الشرق الأوسط.
وبينما تصر وزارة الدفاع البريطانية على أن هذه الطلعات تأتي لأغراض “استطلاعية”، فإن الأهداف المعلنة وغير المعلنة منها تصب بشكل مباشر في صالح المجهود العسكري الإسرائيلي، خاصة في عمليات البحث عن الأسرى، التي غالبًا ما ترتبط بهجمات عنيفة على أحياء مدنية، كما حدث في رفح وخان يونس وغزة المدينة.
إن توفير معلومات استخباراتية حول أماكن الأسرى قد يكون حاسمًا في تحديد أهداف عسكرية بالنسبة لإسرائيل، مما يعني أن لندن تتحمل مسؤولية أخلاقية وقانونية عن نتائج هذه العمليات، خاصة في ظل ما يوثق يوميًا من جرائم بحق المدنيين في غزة.
ازدواجية الموقف البريطاني: الاعتراف بفلسطين مقابل دعم الاحتلال؟
المفارقة الكبرى في الموقف البريطاني تكمن في ازدواجية الخطاب السياسي: فمن جهة تعلن الحكومة البريطانية نيتها الاعتراف بدولة فلسطينية، كخطوة رمزية لدفع عملية السلام، ومن جهة أخرى تستمر في دعم الاحتلال ميدانيًا واستخباراتيًا، وهو ما يكشف عن تناقض عميق بين المبادئ المعلنة والممارسات الفعلية.
صحيفة التايمز أشارت بوضوح إلى أن العلاقات الدبلوماسية بين تل أبيب ولندن تمر بتوتر غير مسبوق، إلا أن ذلك لم يمنع استمرار المهام الاستطلاعية الجوية البريطانية فوق القطاع. هذا يفتح الباب لتساؤلات جدية حول طبيعة العلاقة الأمنية والعسكرية بين البلدين، ومدى استعداد بريطانيا للتورط في سياسات إسرائيل الحربية على حساب القانون الدولي وحقوق الإنسان.
احتجاجات داخلية وصمت رسمي: هل تنجح الضغوط الشعبية؟
التقرير لم يغفل الإشارة إلى المعارضة المتزايدة داخل بريطانيا نفسها لهذا التواطؤ. ففي يونيو الماضي، اقتحم ناشطون من حركة “العمل من أجل فلسطين” قاعدة جوية بريطانية وألحقوا أضرارًا بطائرات نقل، في محاولة رمزية لفضح الدور البريطاني في دعم إسرائيل. وردت السلطات بحظر الحركة بالكامل، في تصعيد لافت ضد أي أصوات معارضة للسياسات البريطانية الحالية تجاه القضية الفلسطينية.
هذا الحظر يعكس أيضًا تضييقًا على الحريات السياسية في البلاد، ويثير مخاوف من تحوّل الحكومة البريطانية نحو تجريم التضامن مع فلسطين، لا سيما أن الدعم العسكري للاحتلال يتم دون شفافية أو رقابة برلمانية كافية.
خاتمة: دعم غير مباشر للجرائم أم شراكة استراتيجية؟
في ظل ما كشفته التايمز، يصبح من الصعب على بريطانيا أن تنفي تورطها غير المباشر — وربما المباشر — في الحرب الإسرائيلية على غزة. فالدعم الاستخباراتي والتقني، حتى لو تم تحت غطاء “البحث عن الأسرى”، يعزز من قدرة الاحتلال على مواصلة عملياته العسكرية التي أودت بحياة عشرات الآلاف من المدنيين، ودمرت البنية التحتية، وعمّقت الكارثة الإنسانية في القطاع المحاصر.
إن تكرار الطلعات الجوية، وتوفير معلومات حول التحركات البرية في غزة، يجعل من بريطانيا شريكًا فعليًا في جرائم الحرب التي ترتكب بحق الشعب الفلسطيني. ومع استمرار هذه السياسة، فإن لندن لا تعرض فقط سمعتها الدولية للخطر، بل تخاطر أيضًا بتغذية التطرف وزعزعة الاستقرار في الشرق الأوسط، في وقت تحتاج فيه المنطقة إلى مبادرات للسلام لا شراكات عسكرية قاتلة.
اقرأ أيضًا : ترامب أعطى الضوء الأخضر: الاحتلال الشامل لغزة على الطاولة