في الوقت الذي تتساقط فيه القنابل على غزة، وتحصد أرواح الأبرياء من الأطفال والنساء، يتكشف الدور المشين للنظام الإماراتي في دعم وتأييد الاحتلال الإسرائيلي. هذا التواطؤ العلني يثير تساؤلات ملحة: كم من القتلى يجب أن يسقطوا، وكم من الأطفال والنساء يجب أن يُقتلوا، حتى يتحرك العالم العربي، وخاصة النظام الإماراتي، لوقف هذه المجازر؟
تواطؤ سياسي ودبلوماسي
أظهر النظام الإماراتي تبنيه الكامل لرواية الاحتلال الإسرائيلي خلال الحرب على غزة. ففي مجلس الأمن، وصفت وزيرة الدولة لشؤون التعاون الدولي، ريم الهاشمي، هجمات المقاومة الفلسطينية بأنها “بربرية وشنيعة”، متجاهلة العدوان الإسرائيلي المستمر وجرائمه بحق المدنيين. هذا التصريح لم يكن زلة دبلوماسية، بل ترجمة واضحة للسياسة الرسمية المعتمدة في أبوظبي، والتي تعتبر المقاومة الفلسطينية “تهديدًا” للاستقرار، بينما تتجاهل أن الاستقرار المنشود لا يمكن تحقيقه دون إنهاء الاحتلال.
علاوة على ذلك، كشفت تقارير صحفية عن تآمر النظام الإماراتي داخل الجامعة العربية لتمرير خطط تهدف إلى تهجير سكان غزة إلى مناطق أخرى، في انسجام تام مع السياسات الإسرائيلية الرامية إلى تفريغ القطاع من سكانه، وتحويله إلى ملف “إنساني” بدلاً من كونه قضية تحرر وطني.
دعم اقتصادي مستمر للاحتلال
لم يقتصر دعم النظام الإماراتي للاحتلال على المستوى السياسي فحسب، بل امتد ليشمل المجال الاقتصادي. في حين علّقت معظم شركات الطيران العالمية رحلاتها إلى إسرائيل خلال الحرب، واصلت شركات الطيران الإماراتية، مثل “فلاي دبي” و”الاتحاد”، تسيير رحلاتها إلى تل أبيب، مما كسر العزلة المفروضة على الاحتلال وساهم في دعمه اقتصاديًا وسياحيًا.
وفقًا لتقارير، سيرت “فلاي دبي” ما يقرب من 1800 رحلة إلى إسرائيل منذ اندلاع الحرب في أكتوبر 2023، مما يعكس التزام النظام الإماراتي بتعزيز علاقاته مع الاحتلال حتى في أحلك الظروف، في الوقت الذي كانت فيه دماء الفلسطينيين لا تزال تسيل في شوارع غزة.
مساعدات إنسانية مشروطة ومواقف متناقضة
في محاولة لتجميل صورته، أعلن النظام الإماراتي عن تقديم مساعدات إنسانية إلى غزة. لكن المساعدات جاءت مشروطة بقيام دولة فلسطينية، وهو ما يثير الشكوك حول نوايا أبوظبي الحقيقية. إذ أعلن وزير الخارجية الإماراتي أن بلاده لن تدعم إعادة إعمار غزة إلا إذا تم التوصل إلى اتفاق يقضي بإقامة دولة فلسطينية، وهي شروط تعجيزية، تُستخدم كغطاء لرفض الدعم الحقيقي.
بكلمات أخرى، يتم تسويق “الإنسانية” الإماراتية فقط حين تكون جزءًا من صفقة سياسية تخدم أجندة التحالفات الدولية، وليس انطلاقًا من التزام أخلاقي تجاه شعب محاصر ومكلوم.
ازدواجية المعايير وتجاهل الجرائم
بينما يُقتل المدنيون الفلسطينيون تحت وابل من القصف، يواصل النظام الإماراتي تعزيز علاقاته مع إسرائيل، متجاهلًا الجرائم اليومية المرتكبة في غزة والضفة الغربية. هذا التواطؤ يفضح ازدواجية المعايير التي باتت سمة أساسية للسياسة الخارجية الإماراتية، حيث يتم الحديث عن “الحقوق الفلسطينية” في المحافل الدولية، بينما تُعقد صفقات أمنية وتجارية خلف الكواليس مع دولة الاحتلال.
ويكفي أن نُذكّر بأن الإمارات لم تتوقف عن استقبال المسؤولين الإسرائيليين حتى خلال ذروة المجازر في غزة، بل إن الإعلام الإماراتي الرسمي تجنب تمامًا استخدام مصطلحات مثل “احتلال” أو “مجزرة” لوصف ما يحدث.
تحالف استراتيجي مع واشنطن وتل أبيب
إن الدعم الإماراتي لإسرائيل لا يمكن فصله عن تحالف أعمق مع الولايات المتحدة، حيث أصبحت أبوظبي، بحسب محللين سياسيين، “الوكيل الإقليمي” المفضل لواشنطن في المنطقة. هذا التحالف الثلاثي (أبوظبي – تل أبيب – واشنطن) يقوم على قواعد أمنية واقتصادية متينة، هدفها الرئيسي ضمان تفوق إسرائيل، ومحاصرة القوى التي ترفض التطبيع، وفي مقدمتها قوى المقاومة الفلسطينية.
من أجل من تعمل الإمارات؟
منذ توقيع اتفاقيات “أبراهام” عام 2020، تحوّلت الإمارات إلى واحدة من أقرب الدول العربية إلى إسرائيل، ليس فقط في الشكل، بل في جوهر السياسات. وبات واضحًا أن النظام الإماراتي يرى في إضعاف المقاومة الفلسطينية وفرض واقع جديد في غزة أداة لتعزيز نفوذه الإقليمي، وتقديم نفسه كـ”شريك يمكن الوثوق به” لإسرائيل وواشنطن.
الكاتب الفلسطيني طلال عوكل وصف الموقف الإماراتي الأخير بـ”الخيانة الصريحة”، وقال في تصريحات لوسائل إعلام عربية: “حين تدافع دولة عربية عن إسرائيل أكثر مما تدافع عنها تل أبيب نفسها، فاعلم أن الأمر ليس صدفة، بل جزء من تحالف خطير يعيد تشكيل المنطقة لصالح المشروع الصهيوني”.
دعوة لمحاسبة النظام الإماراتي
في ظل هذا التواطؤ الصارخ، لم يعد السكوت مقبولًا. يجب على الشعوب العربية والإسلامية، وعلى مؤسسات المجتمع المدني، أن تُحمّل النظام الإماراتي مسؤولية سياسية وأخلاقية عن دعمه للعدوان على غزة. إن الترويج للدور الإنساني، وتسيير بعض قوافل المساعدات، لا يُمكن أن يُغطي على التورط العميق في مساندة الاحتلال.
وإذا كانت إسرائيل تستخدم الطائرات والصواريخ لقتل الأطفال، فإن النظام الإماراتي يوفر لها الغطاء السياسي والدبلوماسي والاقتصادي، ويغسل جرائمها من خلال المنابر الدولية وصفقات الاستثمار.
السؤال الذي سيبقى معلقًا في وجه النظام الإماراتي: كم طفلًا آخر يجب أن يموت في غزة، قبل أن يتوقف طيرانكم عن التحليق فوق الدماء؟