بينما العالم يترنح تحت وطأة توترات اقتصادية متصاعدة، جاءت ضربتان متزامنتان كفيلتان بإحداث زلزال في الأسواق العالمية: قرار غير متوقع من منظمة “أوبك+” بزيادة إنتاج النفط، وسياسة جمركية عدائية من الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، أشعلت فتيل أزمة عالمية.

النتيجة؟ هبوط أسعار النفط لأدنى مستوياتها منذ أكثر من ثلاث سنوات، وتبخّر 208 مليارات دولار من ثروات أغنى رجال العالم في يوم واحد. وفيما تتزايد الأسئلة عن جدوى هذه السياسات، تبدو الأسواق في حالة فوضى يصعب احتواؤها، ويقف الاقتصاد العالمي على حافة موجة اضطراب جديدة.

النفط يهوي: انخفاض غير مسبوق منذ 2021

سجل خام برنت انخفاضًا حادًا تجاوز 3% خلال يومين فقط، ليصل إلى ما دون 65 دولارًا للبرميل، وهو أدنى مستوى له منذ أواخر عام 2021. أما خام غرب تكساس الوسيط الأمريكي (WTI)، فبلغ 62.13 دولارًا، ما يعكس حجم الصدمة التي تلقتها الأسواق.

هذا التراجع لا يعود فقط إلى تقلبات الطلب، بل إلى زيادة مفاجئة في المعروض. فبدلًا من الحفاظ على التوازن، اختارت دول “أوبك+” – بقيادة السعودية وروسيا – ضخ كميات إضافية تجاوزت 411 ألف برميل يوميًا بدءًا من مايو المقبل. وقد تجاوزت هذه الخطوة التوقعات السابقة التي رجحت زيادة متواضعة بنحو 135 ألف برميل يوميًا.

زيادة إنتاج “أوبك+”: مناورة محفوفة بالمخاطر؟

القرار برفع الإنتاج جاء بذريعة “تصحيح اختلالات التزام” من بعض الأعضاء، وفق مصادر من داخل أوبك، لكن المراقبين يرونه مقامرة غير محسوبة، خاصة في وقت تتراجع فيه التوقعات لنمو الاقتصاد العالمي. زيادة الإمدادات في سوق تعاني أصلًا من ضغوط الطلب قد تدفع الأسعار نحو مزيد من التراجع، وهو ما بدأ بالفعل.

مراقبون مثل دانييل يرجين، نائب رئيس “ستاندرد آند بورز غلوبال”، وصفوا القرار بأنه “غير متزامن مع مؤشرات الاقتصاد العالمي، ويعكس انقسامًا داخل المنظمة بين أهداف السوق وأجندات سياسية خفية”.

ترامب يدخل المشهد برسوم تجارية تفجر الأسواق

وفي موازاة أزمة النفط، فجّر دونالد ترامب قرارًا بفرض رسوم جمركية شاملة بنسبة 10% على غالبية الواردات الأمريكية، ما عدا النفط والغاز والمنتجات المكررة.

الرد الفوري كان عنيفًا: الأسواق تهوي، الدولار يرتبك، وحالة من الذعر تسيطر على المستثمرين. الأسهم الأمريكية شهدت أسوأ أيامها منذ سنوات. مؤشر “ناسداك” دخل منطقة “السوق الهابطة” بعد انخفاضه بأكثر من 20% من أعلى مستوى سجله في ديسمبر، فيما خسر مؤشر “داو جونز” 2,000 نقطة خلال يومين.

208 مليارات دولار تتبخر في يوم واحد

بحسب وكالة “بلومبرغ”، خسر أغنى 500 شخص في العالم ما مجموعه 208 مليارات دولار في يوم واحد فقط، نتيجة انهيار أسواق الأسهم بعد إعلان ترامب. وتعد هذه الخسارة رابع أكبر انخفاض يومي في تاريخ مؤشر المليارديرات، مما يوضح مدى حساسية الأسواق لهذه السياسات العدائية.

بين المتضررين، جاء إيلون ماسك في المقدمة بخسائر بلغت 18.2 مليار دولار، يليه جيف بيزوس بـ15.3 مليار، ثم برنارد أرنو، رجل الأعمال الفرنسي، بـ12.9 مليار دولار.

خنق مزدوج للأسواق العالمية

الدمج بين قرار “أوبك+” بزيادة المعروض، وسياسات ترامب التصعيدية في التجارة، يشكّل خنقًا مزدوجًا للأسواق:

  • من جهة، فائض في المعروض النفطي يؤدي إلى انهيار الأسعار.

  • من جهة أخرى، حرب تجارية تهدد بتقليص الاستهلاك العالمي للطاقة نتيجة التباطؤ الاقتصادي.

النتيجة المحتملة؟ دورة هبوطية متسارعة تشبه ما حدث في 2008، لكن هذه المرة تقودها قرارات سياسية لا اقتصادية.

تداعيات على اقتصادات الدول المنتجة

السعودية، التي تقود “رؤية 2030″، تعتمد بشكل كبير على إيرادات النفط لتمويل مشاريعها العملاقة مثل “نيوم” و”ذا لاين”. انخفاض الأسعار بهذا الشكل يضع ضغطًا هائلًا على الميزانية العامة ويزيد من العجز المالي المتوقع في 2025. كما أنه يقوض ثقة المستثمرين في الاستقرار الاقتصادي طويل الأمد للمملكة.

روسيا، رغم أنها تعيش على اقتصاد أكثر تقشفًا، إلا أنها تواجه مصاعب مضاعفة بسبب العقوبات الغربية وتكاليف الحرب في أوكرانيا، ما يجعل أي انهيار إضافي في أسعار النفط كارثة مالية محتملة.

هل نحن على أعتاب أزمة اقتصادية شاملة؟

تبدو ملامح الأزمة المقبلة أكثر وضوحًا من أي وقت مضى:

  • النمو العالمي مهدد.

  • الثقة في الأسواق تتراجع.

  • البنوك المركزية في مأزق بين التضخم والانكماش.

في هذه اللحظة الحرجة، أي قرار إضافي خاطئ من أوبك أو ترامب قد يكون هو الشرارة التي تطلق العاصفة الكاملة.

بين مطرقة النفط وسندان الرسوم… من ينقذ الاقتصاد العالمي؟

في عالم يسير على حافة الانهيار، أثبتت الأيام الأخيرة أن الاستقرار الاقتصادي لا يحتاج فقط إلى مؤشرات مالية، بل إلى قرارات رشيدة. ومع تحركات متهورة من اللاعبين الكبار – أوبك من جهة وترامب من جهة أخرى – لا يبدو أن الأسواق ستجد متنفسًا قريبًا.

وإن لم يُعَد النظر في هذه السياسات سريعًا، فإن المستقبل قد لا يحمل سوى مزيد من التراجع… ومزيد من الأزمات.