في موقف أثار غضبًا واسعًا بين الفلسطينيين، أطلق رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس تصريحات جديدة من العاصمة الأردنية عمّان، زعم فيها أنّ السلام في قطاع غزة مرهون بانسحاب الاحتلال الإسرائيلي، وتسليم حماس لسلاحها، وعدم عودتها لحكم القطاع.
وخلال لقائه برئيس الوزراء البريطاني الأسبق توني بلير، شدّد عباس على أن “الحل الوحيد القابل للتطبيق في غزة هو الانسحاب الكامل لإسرائيل، وتمكين الدولة الفلسطينية من تولي مسؤولياتها في القطاع بدعم عربي ودولي فاعل”، على حد قوله.
لكن المثير للجدل هو تأكيده القاطع بأن “حماس لن تحكم القطاع في اليوم التالي”، في إشارة إلى ما بعد انتهاء الحرب الجارية.
تصريحات عباس بدت وكأنها تعبير واضح عن استعداده للدخول في مرحلة “ما بعد حماس”، حتى ولو كان الثمن هو استثمار الاحتلال للموقف السياسي الراهن لإعادة تشكيل المشهد الغزّي وفق شروطه، بما في ذلك تحييد المقاومة وإسكات أصواتها، تحت غطاء الشرعية الدولية.

تكرار خطاب التنسيق الأمني والالتزام بـ”نزع السلاح”
عباس لم يكتفِ برفض عودة حماس، بل ذهب أبعد من ذلك حين دعا الحركة إلى تسليم سلاحها للسلطة، والانخراط ضمن برنامج منظمة التحرير الفلسطينية، والالتزام بالشرعية الدولية. وهذا الطرح يتطابق بشكل واضح مع اشتراطات الاحتلال الإسرائيلي والأطراف الغربية، والتي تعتبر نزع سلاح المقاومة الخطوة الأساسية لـ”تهدئة طويلة الأمد”، ما يضع رئيس السلطة في مرمى اتهامات بالخيانة وتفكيك المشروع الوطني الفلسطيني من داخله.
المثير في اللقاء الذي جمعه ببلير – أحد أبرز الوجوه الدولية المتورطة في شرعنة الاحتلال وتبرير الحروب على غزة منذ 2006 – أن عباس قدّم خطابًا سياسيًا يعكس رؤية تتماهى مع الطرح الإسرائيلي-الأميركي لحل ما بعد الحرب: حكم غزة عبر سلطة محدودة الصلاحيات، لا تملك قرار المقاومة ولا قرار السيادة.
ورغم الكارثة الإنسانية غير المسبوقة التي يعاني منها أهالي غزة، تجاهل عباس تمامًا الحديث عن المحاسبة، أو المطالبة بتجميد العلاقات الأمنية مع الاحتلال، أو حتى مقاطعة الدول الداعمة له، وبدلًا من ذلك اكتفى بالمطالبة بـ”وقف إطلاق النار” و”إدخال المساعدات”، وكأن مشروعه السياسي يتعامل مع غزة كأزمة إنسانية وليست ساحة نضال وطني.
انفصال عن الواقع الشعبي وتوقيت مريب قبل مؤتمر نيويورك
تأتي تصريحات عباس هذه في توقيت حساس يتزامن مع تحركات سياسية في العاصمة القطرية الدوحة لعقد جولة جديدة من المفاوضات غير المباشرة بين حماس والاحتلال، بوساطة قطرية-مصرية ومشاركة أميركية. وقد أكدت كل من حركتي حماس والجهاد الإسلامي، في بيان مشترك، أن “أي اتفاق يجب أن يفضي إلى إنهاء العدوان، والانسحاب الكامل من القطاع، وفتح المعابر، وإعادة الإعمار”، في تباين واضح مع رؤية عباس التي تشترط إخراج حماس من المشهد تمامًا.
كما تتزامن تصريحات عباس مع الإعلان عن قرب عقد مؤتمر دولي لحل الدولتين في نيويورك برعاية سعودية وفرنسية في 28 يوليو الجاري، وهي خطوة وصفها مراقبون بأنها مناورة دولية تهدف إلى ترسيخ رؤية “السلام مقابل الخضوع”، وإعادة تشكيل السلطة في غزة وفق خارطة أميركية تُقصي المقاومة، وتُعيد إنتاج حكم السلطة بقيادة عباس أو من يخلفه.
عباس، الذي لم تطأ قدمه قطاع غزة منذ الانقسام عام 2007، والذي تخلّى عن خيار المواجهة منذ سنوات طويلة، يقدّم نفسه اليوم كشرطي سياسي للمنطقة، يتعهد للعالم بمنع عودة المقاومة لحكم غزة، ويطلب من حماس تسليم سلاحها دون أن يُقابل هذا الموقف بأي ضمان فعلي لحماية الفلسطينيين من القتل والتدمير.
عباس خارج الإجماع الوطني.. وخطابه خيانة للمشروع الفلسطيني
في الوقت الذي ترتكب فيه إسرائيل أبشع المجازر بحق الأطفال والنساء، وتحاصر غزة حتى الاختناق، وتمنع إدخال المساعدات، وتستهدف كل أشكال الحياة، يخرج عباس بخطاب يختزل القضية في مسألة “الشرعية الدولية” و”حكم السلطة”. إنه خطاب أقرب إلى إعلان استسلام، بل يُنظر إليه من قطاعات واسعة من الفلسطينيين بوصفه خيانة صريحة لمبادئ التحرر والمقاومة، ويكشف مدى انفصال قيادة رام الله عن واقع الشعب الفلسطيني، وعن دماء الشهداء الذين يسقطون يوميًا.
فحين يتحدث عباس عن ضرورة سحب السلاح من يد حماس، دون أن يُطالب بسحب دبابات الاحتلال من شوارع غزة، فإنه في الحقيقة لا يبحث عن سلام، بل عن سلطة شكلية مرتهنة، تتحرك ضمن هامش أمني ترسمه تل أبيب وواشنطن، وتدير ملف “الإعمار مقابل الأمن” كما فعلت سابقًا في الضفة الغربية.
وإذا كانت غزة قد صمدت رغم المجازر، فإن شعبها لن يقبل بمن يحاول اقتناص دماء الشهداء لصناعة واقع سياسي جديد يُقصي المقاومة، ويعيد إنتاج التنسيق الأمني تحت مسمى “الحل الدولي”. وغزة، كما أثبتت المعارك، لا تُحكم من الفنادق، ولا تُحرّر عبر مؤتمرات نيويورك، بل تُنتصر على الأرض.. بالصمود والمقاومة.
اقرأ أيضًا :60 نائبًا بريطانيًا يتهمون “إسرائيل” بالتطهير العرقي ويطالبون لندن بالاعتراف الفوري بفلسطين