في مشهد يعكس عمق التبعية الفلسطينية لواشنطن و”إسرائيل”، وجد رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس نفسه مضطرا لإلقاء كلمته أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة عبر تقنية الفيديو، بعد أن رفضت الولايات المتحدة منحه تأشيرة دخول إلى نيويورك، في خطوة مثّلت إهانة سياسية غير مسبوقة له وللسلطة التي يرأسها.

الجمعية العامة صوّتت اليوم الجمعة بأغلبية 145 دولة لصالح السماح لعباس بإلقاء خطابه عن بُعد، مقابل اعتراض خمس دول وامتناع ست عن التصويت. القرار تضمّن تعبير المنظمة الأممية عن “أسفها” لرفض واشنطن، في رسالة دبلوماسية قاسية للولايات المتحدة، التي اعتادت أن تستعمل ملف التأشيرات أداة للضغط السياسي

واشنطن.. منحة الذل للخائن

رفضت واشنطن منح التأشيرات ليس لعباس وحده، بل أيضا لما يقارب 80 شخصية فلسطينية أخرى، بينهم أعضاء في منظمة التحرير ومسؤولون في السلطة الفلسطينية، كان من المفترض أن يشاركوا في الاجتماعات. هذه الخطوة لم تأتِ بمعزل عن المشهد الدولي، بل بدت رسالة إذلال واضحة لعباس الذي كرّس سنوات حكمه في التنسيق الأمني مع الاحتلال، ودفع فاتورة الولاء للبيت الأبيض، لكنه الآن يواجه الإهانة من بوابته.

الولايات المتحدة التي تدّعي أنها راعية عملية السلام أظهرت حقيقتها مرة أخرى: لا مكان للصوت الفلسطيني إلا تحت سقف الشروط الإسرائيلية، حتى وإن كان هذا الصوت صادرا من أكثر القيادات الفلسطينية تماهياً مع سياساتها. رفض التأشيرة لم يكن إجراءً بروتوكولياً فحسب، بل صفعة سياسية وضعت عباس في خانة “الزعيم غير المرغوب فيه”، وعرّت هشاشة مكانته الدولية.

اعترافات دولية بفلسطين تُحرج واشنطن وتكشف ضعف عباس

تزامن هذا التطور مع إعلان عدد من الدول الغربية، مثل بريطانيا وفرنسا وأستراليا وكندا، نيتها الاعتراف بدولة فلسطين خلال اجتماعات الأمم المتحدة الجارية في نيويورك. كما كشف رئيس الوزراء الفلسطيني محمد مصطفى أن نظيره اللوكسمبورغي أكد له عزم بلاده الاعتراف رسمياً بفلسطين في مؤتمر “حل الدولتين” المرتقب.

لكن هذه الاعترافات، رغم أهميتها، تضع عباس في مأزق؛ فهي تأتي من خارج دائرة نفوذه، وبعيداً عن أي إنجاز دبلوماسي شخصي له. العالم يتحرك نحو الاعتراف بفلسطين فيما يبدو عباس عالقاً بين إذلال أمريكي ومشهد داخلي مأزوم، حيث تغرق السلطة في فسادها وتفقد ما تبقى من شرعية بين أبناء شعبها. إن الاعترافات الدولية تبدو وكأنها “هدية” تُمنح للقضية الفلسطينية من دون أن يكون لقيادة عباس أي دور جوهري فيها، لتفضح محدودية تأثيره السياسي.

دلالات الإذلال: نهاية دور أم بداية عزلة؟

منع التأشيرة لا يمكن النظر إليه كحادثة عابرة، بل هو مؤشر على تغير أعمق في التعامل الأمريكي مع عباس. فالرجل الذي اعتبرته الإدارات الأمريكية المتعاقبة شريكاً “معتدلاً”، يواجه اليوم لحظة عزلة قد تعني بداية نهاية دوره الوظيفي. واشنطن، التي طالما استخدمت السلطة كأداة لتفريغ الغضب الفلسطيني واحتواء المقاومة، لم تعد ترى في عباس ورقة رابحة يمكن استثمارها، خصوصا مع تصاعد الأوضاع في غزة والضفة وانكشاف ضعف السلطة.

الأهم أن هذه الإهانة جاءت على العلن، وبصورة رسمية أمام المجتمع الدولي، لتسجل في التاريخ كأحد أكثر المواقف التي تكشف تبعية عباس وانهيار رهاناته على الدعم الأمريكي. فقد أثبتت التجربة أن من يضع مصير شعبه تحت وصاية البيت الأبيض، لن يجني سوى الإذلال.

السلطة بين مأزق الشرعية وفقدان الغطاء الدولي

قرار الجمعية العامة بالسماح لعباس بالظهور عبر الفيديو قد يبدو للبعض مخرجاً مشرفاً، لكنه في الحقيقة “عزاء دبلوماسي” لسلطة فقدت القدرة على الحركة المستقلة. إذا كانت واشنطن تمنع الرئيس الفلسطيني نفسه من دخول أراضيها، فماذا يبقى من شرعية دولية لسلطة تتغذى على المساعدات الأمريكية وتعيش على التنسيق الأمني مع الاحتلال؟

المشهد يضع السلطة أمام مأزقين متوازيين: داخلي يتمثل في تصاعد الغضب الشعبي ضد سياساتها، وخارجي يتمثل في تراجع مكانتها حتى أمام أقرب حلفائها الغربيين. وبين هذين المأزقين، يتآكل ما تبقى من شرعية عباس، ليصبح مجرد أداة هامشية في لعبة إقليمية أكبر.

خاتمة: خطاب بلا معنى

حين يُجبر “رئيس” على مخاطبة العالم عبر شاشة بعد أن رفضت واشنطن استقباله، فإن الرسالة التي تصل للعالم أوضح من مضمون أي خطاب قد يلقيه. عباس الذي طالما راهن على “العملية السلمية” و”الغطاء الأمريكي”، وجد نفسه اليوم مُذلّاً، معزولاً، يتوسل شاشة الفيديو ليُسمع صوته.

لكن صوته لم يعد يعني الكثير؛ فالعالم يتغير، والمقاومة في الميدان تفرض وقائع جديدة، فيما يظل عباس أسير خيارات فاشلة وسياسات لم تجلب للشعب الفلسطيني سوى الخيبة. هذه الإهانة لن تُسقطه في عيون الفلسطينيين فحسب، بل ستسجّل كعلامة فارقة على فشل مشروع السلطة بأكمله.

باختصار، واشنطن التي صنعته سياسياً هي نفسها من أهانته، والعالم الذي طالما قدّم له المنابر لم يعد يراه سوى رمزاً لزمن انتهى.

اقرأ أيضًا : رافينا تُغلق الأبواب في وجه إسرائيل.. أوروبا العمالية تتمرد على شحنات الموت