أثار ظهور الكاتب السعودي عبد العزيز الخميس في “بودكاست” استضافه المعلق الإسرائيلي إيدي كوهين، وبثّته صحيفة معاريف، موجة جدل واسعة في الأوساط العربية. لم يكن الجدل نابعًا من مجرد إجراء مقابلة مع إعلام إسرائيلي، بل من مضمون الخطاب نفسه، الذي حمل سردية صهيونية مكتملة الأركان، وقدّم تبريرات أيديولوجية وسياسية تتقاطع بوضوح مع الخطاب الإسرائيلي الرسمي.

الخميس، الذي شغل سابقًا مواقع تحريرية بارزة في صحف عربية، لم يظهر بصفته “محاورًا نقديًا” أو “ناقلًا لوجهة نظر عربية”، بل قدّم نفسه كمنظّر سياسي يحمّل المقاومة الفلسطينية، وإيران، والحركات الإسلامية، مسؤولية فشل السلام، مقابل تبرئة الاحتلال من جذور الصراع وبنيته الاستعمارية. هذا التموضع، في سياق عربي مشحون بحرب إبادة على غزة، جعل ظهوره يبدو أقرب إلى إعادة تموضع أيديولوجي صريح داخل معسكر التطبيع.

من نقد التطرف إلى تبرير السردية الصهيونية

ركز الخميس في حديثه على ما وصفه بـ“التطرف الديني” في الخطاب العربي والإسلامي، مستشهدًا بنصوص دينية لتأكيد “التسامح” و“حق اليهود في العيش بسلام”. غير أن الإشكال لا يكمن في الدعوة للتسامح بحد ذاتها، بل في الطريقة التي استُخدمت بها هذه الدعوة لتجريد القضية الفلسطينية من بعدها التحرري، وتحويل الصراع إلى مشكلة “كراهية دينية” أو “سوء خطاب”.

الأخطر في حديثه كان تبنّيه العلني لفكرة “الحق التاريخي لليهود في الأرض”، وتأكيده أن وجودهم “حقيقة تاريخية راسخة” سبقت الإسلام، وأن الدولة الإسرائيلية هي امتداد طبيعي لهذا الوجود. هنا، ينتقل الخطاب من مساحة النقاش الديني أو الثقافي إلى قلب الأيديولوجيا الصهيونية، التي تقوم على شرعنة الاستعمار الاستيطاني عبر سرديات تاريخية انتقائية، متجاهلة حقيقة اقتلاع شعب كامل من أرضه منذ عام 1948.

بهذا المعنى، لا يمكن قراءة تصريحات الخميس إلا بوصفه مثقفًا صهيوني الهوى، يقدّم غطاءً “عربيًا” للرواية الإسرائيلية، في لحظة تحتاج فيها تل أبيب إلى أصوات من المنطقة تساهم في تبييض صورتها دوليًا.

تحميل المقاومة المسؤولية… وتبرئة الاحتلال

في مقاربته لأحداث السابع من أكتوبر، قدّم الخميس رواية منسجمة تمامًا مع الخطاب الإسرائيلي والغربي، معتبرًا أن ما جرى “حسابات إيرانية” استخدمت حماس أداة لوقف التطبيع بين السعودية وإسرائيل. تجاهل هذا الطرح السياق الكامل للحصار والاحتلال والعدوان المستمر، وحوّل المقاومة إلى “كارثة استراتيجية” لا أكثر.

الأهم أن الخميس لم يتوقف عند نقد حماس، بل حمّلها مسؤولية “تدمير مسار أوسلو”، متبنيًا سردية قديمة تتجاهل أن هذا المسار نفسه كان قائمًا على اختلال جذري في موازين القوة، وأن إسرائيل واصلت الاستيطان ونسف أي أفق لدولة فلسطينية حتى في ذروة “عملية السلام”. بهذا الخطاب، يصبح الاحتلال نتيجة ثانوية، بينما تتحول المقاومة إلى أصل المشكلة.

الإخوان، إيران، الحوثيون… قائمة أعداء تل أبيب بلسان عربي

لم يكتفِ الخميس بتبنّي السردية الإسرائيلية تجاه الفلسطينيين، بل وسّع دائرة الهجوم لتشمل جماعة الإخوان المسلمين، وإيران، وحزب الله، والحوثيين، واصفًا إياهم بمصدر الدمار وعدم الاستقرار. اللافت أن هذا الهجوم جاء مطابقًا تقريبًا لأولويات الأمن القومي الإسرائيلي، سواء في توصيف “المحور الإيراني” أو في تبرير الوجود الإسرائيلي في البحر الأحمر والقرن الأفريقي بذريعة “الدفاع عن النفس”.

في هذا السياق، تحوّل الخميس من كاتب رأي إلى متحدث غير رسمي باسم رؤية أمنية صهيونية، تُعيد رسم خريطة “الأعداء” وتُبرر أي تمدد إسرائيلي باعتباره ردًا مشروعًا على “تهديدات عربية”.

مثقف صهيوني بواجهة عربية

خلاصة هذا الظهور لا تتعلق بحرية الرأي أو كسر التابوهات، بل بتقديم نموذج جديد لـ“المثقف المطبّع”، الذي لا يكتفي بالدعوة إلى السلام، بل يتبنى الرواية الصهيونية كاملة: تاريخًا، وأمنًا، وعدوًا. عبد العزيز الخميس، في هذا الحوار، لم يكن ناقدًا للاحتلال، ولا وسيطًا للحوار، بل مثقفًا صهيونيًا بلسان عربي، يهاجم الضحية ويمنح الجلاد شرعية أخلاقية وتاريخية.

في زمن تُرتكب فيه مجازر يومية بحق الفلسطينيين، يصبح هذا النوع من الخطاب ليس مجرد “رأي مختلف”، بل جزءًا من معركة الوعي، ومحاولة لإعادة تعريف الصراع بما يخدم الاحتلال ويُجرّم المقاومة.

اقرأ أيضًا : قمعٌ في الزنازين ودعمٌ للاحتلال: انتهاكات أردنية بحق معتقلي “دعم المقاومة”