في مشهد يعيد إلى الأذهان فصول الحروب المدمرة التي عاشها لبنان خلال العقود الماضية، استشهد 31 لبنانيا وأصيب 149 آخرون بجروح صباح الاثنين، في حصيلة أولية للغارات العنيفة التي شنها الاحتلال الإسرائيلي على الضاحية الجنوبية في بيروت وعدد من بلدات جنوب لبنان. ووصفت وزارة الصحة اللبنانية الهجمات بأنها خلفت “حصيلة أولية غير نهائية”، ما يعني أن عدد الضحايا مرشح للارتفاع مع استمرار عمليات رفع الأنقاض وإجلاء الجرحى.

وبحسب البيان الرسمي، فقد استشهد 20 مواطنا في الضاحية الجنوبية لبيروت وأصيب 91 آخرون، فيما سقط 11 شهيدا وأصيب 58 في بلدات متفرقة من جنوب لبنان. هذه الأرقام، رغم قسوتها، لا تعكس فقط حجم الخسائر البشرية، بل تكشف عن طبيعة القصف الذي طال أحياء سكنية مكتظة، ومناطق مدنية بعيدة عن أي مواجهة مباشرة.

القصف الذي بدأ منذ ساعات الفجر الأولى حمل بصمات واضحة لسياسة العقاب الجماعي التي درج الاحتلال على اتباعها في غزة والضفة الغربية، وها هو يوسعها اليوم لتشمل لبنان، في إطار عدوان إقليمي متزامن مع الاعتداء الأمريكي الإسرائيلي على إيران. فالمشهد لم يعد مجرد جبهة حدودية، بل حلقة في مشروع أوسع لإعادة تشكيل المنطقة بالقوة العسكرية.

نزوح كثيف من الجنوب… لبنان أمام كارثة إنسانية جديدة

على وقع الانفجارات وأعمدة الدخان، بدأت موجة نزوح كثيفة من مناطق الجنوب والضاحية الجنوبية باتجاه الشمال ومناطق أكثر أمنا، في مشهد يعكس حالة الذعر التي بثها الاحتلال عبر تهديداته العلنية باستهداف عشرات القرى والمناطق السكنية. وطالب الاحتلال سكان هذه المناطق بإخلائها تمهيدا لقصفها، في خطوة تمثل تهديدا مباشرا لحياة المدنيين، وتضعهم أمام خيارين أحلاهما مر: البقاء تحت القصف أو النزوح إلى المجهول.

وأفادت الوكالة الوطنية للإعلام بأن حركة المرور شهدت اختناقات خانقة على أوتوستراد الزهراني – صيدا والطريق البحرية وصولا إلى الرميلة، نتيجة التدفق الكبير للنازحين. سيارات محملة بالعائلات والأطفال، ووجوه يكسوها الخوف، تعيد إنتاج صور النزوح الجماعي التي اعتادها اللبنانيون في كل مواجهة مع الاحتلال.

الحكومة اللبنانية أعلنت فتح مراكز إيواء في محافظة الجنوب وقضاء حاصبيا ومحافظة بيروت، وأشارت إلى وجود 302 مركز إيواء في مختلف المناطق، إلا أن جميعها لم يفتح بعد. وأكدت أن بقية المراكز ستُفتح تباعا بإشراف وحدة إدارة الكوارث في وزارة الشؤون الاجتماعية. غير أن حجم النزوح المتسارع يطرح تساؤلات جدية حول قدرة الدولة اللبنانية، التي تعاني أصلا من أزمة اقتصادية خانقة، على استيعاب هذه الموجة الجديدة من التشريد.

المؤشرات الأولية تنذر بكارثة إنسانية حقيقية، خاصة إذا استمر القصف وتوسعت رقعته، في ظل بنية تحتية منهكة، ونظام صحي يواجه تحديات جسيمة منذ سنوات.

من بيروت إلى طهران… عدوان إقليمي برعاية أمريكية

لا يمكن فصل ما يجري في لبنان عن السياق الأوسع المتمثل في العدوان الأمريكي الإسرائيلي المشترك على إيران. فالهجمات على بيروت والجنوب تأتي في وقت تشن فيه واشنطن وتل أبيب عمليات عسكرية واسعة ضد طهران، في تصعيد غير مسبوق يهدد بإشعال المنطقة بأكملها.

الاحتلال الإسرائيلي، الذي لطالما تباهى بدعم الإدارة الأمريكية غير المشروط، يتحرك اليوم بغطاء سياسي وعسكري واضح من واشنطن. فالولايات المتحدة، التي تزعم الدفاع عن الاستقرار وحقوق الإنسان، تقدم الدعم العسكري والاستخباراتي والغطاء الدبلوماسي لاعتداءات تودي بحياة المدنيين، سواء في إيران أو لبنان أو فلسطين.

هذا التلاقي بين القرارين الإسرائيلي والأمريكي يعكس طبيعة التحالف القائم على فرض الهيمنة بالقوة، وتصفية الحسابات الإقليمية عبر ساحات الدول الضعيفة. فبدلا من اللجوء إلى المسارات الدبلوماسية، اختارت واشنطن وتل أبيب منطق الصواريخ والطائرات المسيرة، ضاربتين بعرض الحائط كل الأعراف الدولية التي تحظر استهداف المدنيين وترويع السكان.

الهجوم على لبنان، في هذا التوقيت، يبدو رسالة مزدوجة: معاقبة أي ساحة يُعتقد أنها قد تشكل دعما لإيران، وخلق حالة ضغط داخلي عبر إغراق البلد في الفوضى الإنسانية. وهي سياسة لا تنفصل عن نمط متكرر من العدوان الذي يعتمد على توسيع رقعة النار بدلا من احتوائها.

بين الردع والفوضى… إلى أين تتجه المنطقة؟

العدوان الأخير يضع المنطقة على حافة انفجار شامل. فلبنان، المثقل بالأزمات الاقتصادية والسياسية، يجد نفسه مجددا ساحة مفتوحة أمام آلة الحرب الإسرائيلية، فيما إيران تواجه ضربات مباشرة على أراضيها. وفي ظل الدعم الأمريكي الصريح، تبدو كفة التصعيد راجحة على حساب أي مسار تهدئة.

غير أن التاريخ القريب يثبت أن سياسات القوة المفرطة لا تجلب أمنا دائما، بل تؤسس لدورات جديدة من العنف. فكل مجزرة تزرع بذور غضب، وكل نزوح يراكم شعورا عميقا بالظلم، ما يجعل الاستقرار المزعوم الذي تتحدث عنه تل أبيب وواشنطن وهما مؤقتا.

لبنان اليوم أمام اختبار قاسٍ: إما أن يتمكن من احتواء تداعيات العدوان وتجنب الانزلاق إلى حرب شاملة، أو يجد نفسه مرة أخرى في قلب مواجهة إقليمية تتجاوز حدوده. أما المجتمع الدولي، الذي يلتزم صمتا مريبا، فمدعو لتحمل مسؤولياته تجاه وقف الاعتداءات وحماية المدنيين.

وفي ظل استمرار القصف وسقوط الشهداء، يبقى السؤال الأهم: إلى متى ستظل دماء المدنيين وقودا لمشاريع الهيمنة، وإلى متى سيبقى العدوان الإسرائيلي الأمريكي بلا مساءلة حقيقية؟

اقرأ أيضًا : انفجارات تهز عواصم خليجية مع بدء الرد الإيراني على قواعد أمريكية