في مشهد يعكس هشاشة النسيج الداخلي لمجتمع الاحتلال الإسرائيلي، وثّقت مقاطع مصوّرة انتشرت على منصات التواصل، اندلاع مشاجرات عنيفة داخل ملاجئ الاحتلال خلال القصف الصاروخي الإيراني الأخير، وسط فوضى عارمة وتمييز عنصري واضح.

المشاهد كشفت ليس فقط عن ضعف الاستعدادات، بل عن انقسامات اجتماعية عميقة، وعنصرية ممنهجة تمارسها شرائح من المجتمع اليهودي بحق غير اليهود، بل وحتى بين المستوطنين أنفسهم، الأمر الذي يضع علامات استفهام حول تماسك الجبهة الداخلية في زمن الحرب.

 

أولًا: فوضى الملاجئ وانهيار الأمن الداخلي

مع تواصل القصف الإيراني على مدن الاحتلال، وجد آلاف المستوطنين أنفسهم أمام واقع مرعب: ملاجئ غير كافية، إدارة فاشلة للطوارئ، وصراع على البقاء. 

وخلال لحظة انهيار تام للنظام داخل أحد الملاجئ في مدينة أسدود، أظهر فيديو متداول مشاجرة عنيفة بالأيدي بين عدد من المستوطنين، تبادلوا خلالها اللكمات والشتائم، فيما قام أحدهم برش رذاذ الفلفل الحارق داخل المكان، ما تسبب بحالة اختناق وفوضى عارمة دفعت النساء والأطفال للهرب وهم يصرخون.

السبب كما تشير روايات شهود العيان، لم يكن الخوف من القصف بحد ذاته، بل من “الآخر” الذي اعتُبر غير مرحّب به داخل المساحة الضيقة التي يفترض أنها ملاذ آمن للجميع. هذا “الآخر” قد يكون مجرد مستوطن من حيّ مجاور، أو عاملا أجنبيا، أو فلسطينيا يحمل الجنسية الإسرائيلية.

تقول إحدى المستوطنات في مقطع مصوّر تم تداوله: “هذا ليس من منطقتنا، لا نعرفه، يجب أن يخرج”. تبع ذلك طرد رجل حاول دخول الملجأ مع طفله، ليُغلق الباب في وجهه تحت صراخ امرأة: “هذا الملجأ لنا فقط”.

ثانيًا: عنصرية داخلية ممنهجة.. الأولوية لليهود فقط
ليست هذه الحوادث معزولة، بل تعكس عنصرية متجذّرة في بنية المجتمع الإسرائيلي، والتي تكشفت أكثر في لحظات الخوف والانهيار. فبحسب ما نشرته عدة حسابات للمستوطنين أنفسهم، فقد تم طرد عمال تايلانديين من الملاجئ خلال القصف، رغم عملهم في نفس المستوطنات الزراعية التي يقيم فيها الإسرائيليون. لم يكن لهم أي ملاذ سوى البقاء في العراء، في مواجهة الانفجارات، دون أي اعتبار لحياتهم.

التمييز العنصري طال أيضًا فلسطينيي الداخل (حاملي الجنسية الإسرائيلية)، حيث تم توثيق واقعة في يافا، حين رفض مستوطنون دخول عائلة فلسطينية إلى أحد الملاجئ لأن الأم كانت ترتدي الحجاب. وفي حالة أخرى، طُردت ممرضة فلسطينية من ملجأ قرب مستشفى في “الكريوت”، رغم أنها كانت في طريقها للدوام الليلي، وسط عبارات مهينة من نوع: “هذا المكان لليهود فقط”.

هذا السلوك ليس سلوكا فرديا، بل هو انعكاس لسياسة ممنهجة يغذيها الإعلام الإسرائيلي وخطاب اليمين المتطرف، ويرعاها نظام قانوني يفرّق بين المواطنين على أساس العرق والدين. ويكشف هذا التمييز العنصري مدى هشاشة ما يسمى بـ”الوحدة الإسرائيلية” أمام الخطر المشترك.

ثالثًا: انهيار الثقة بالحكومة وغياب خطة الطوارئ
ما جرى في الملاجئ ليس فقط فضيحة أخلاقية، بل فشل أمني بامتياز. فبحسب المحلل العسكري في صحيفة “هآرتس”، عاموس هرئيل، فإن الجبهة الداخلية الإسرائيلية باتت “منهارة بالكامل”، مشيرًا إلى أن القصف الصاروخي الإيراني الواسع “دمّر ثقة المستوطنين بقدرة الدولة على حمايتهم”. وأضاف أن “الناس يشعرون أن الحكومة أطلقت حربًا دون حساب تبعاتها على الداخل”.

غياب خطة واضحة للطوارئ، وقصور بنيوي في تجهيز الملاجئ، وفوضى في توزيع المهام بين الجيش والبلديات، كل ذلك أدى إلى انفجار داخلي لا يقل خطورة عن الهجمات الخارجية. مشاهد الطرد، والاعتداءات، والصراخ، كلها تحوّلت إلى مرآة عاكسة لفشل داخلي مدوٍ، أثبت أن “الجبهة الداخلية” – التي طالما روّج لها قادة الاحتلال – لا تعدو كونها وهما إعلاميًا.

وفي الوقت الذي تعجز فيه سلطات الاحتلال عن تأمين الملاجئ لليهود أنفسهم، فإنها لا تملك أي نية لحماية غيرهم، من عمال أجانب أو فلسطينيين، رغم مساهمتهم في الاقتصاد وخدمات الطوارئ.

خاتمة: الجبهة تتآكل من الداخل
في الحروب، تتماسك المجتمعات حين يتشارك أفرادها الخطر ذاته. غير أن ما تكشفه الملاجئ الإسرائيلية هذه الأيام، هو العكس تمامًا. فبذور الانقسام والعنصرية المزروعة في المجتمع، تنبت أشواكها في أحلك اللحظات، لتتحول إلى فوضى وفقدان للثقة وانكشاف كامل لزيف “الوحدة الوطنية”.

ما جرى ويجري في الملاجئ هو تحذير صارخ: ليس الخطر فقط فيما يأتي من السماء، بل فيما يتغلغل في الأرض من كراهية، وفشل، ونظام سياسي يغذي الكراهية بدلاً من مواجهتها. وبينما يواصل الاحتلال عدوانه في الخارج، تتآكل جبهته من الداخل.

اقرأ أيضا : الاحتلال يهدم عشرات المباني بجنين والمستوطنون يصعّدون بالخليل.. وأبو مازن يواصل الصمت