كشف تحقيق أجرته هيئة الإذاعة البريطانية عن تفاصيل خطيرة تتعلق بمواقع توزيع المساعدات في غزة، حيث تبين أن الشركة الأمنية الخاصة المتعاقدة مع ما يعرف بمؤسسة غزة الإنسانية، المدعومة من الولايات المتحدة وإسرائيل، استعانت بعشرات من أعضاء عصابة دراجات نارية أمريكية تحمل اسم “إنفيدلز” لإدارة الأمن في هذه المواقع. هذه المواقع شهدت مقتل أكثر من ألفين من المدنيين الفلسطينيين الذين تجمعوا بحثاً عن الطعام، وسط فوضى دامية وإطلاق نار، فيما جرى تقديم العملية على أنها جزء من جهود إنسانية.
التحقيق أكد أن عشرة من أعضاء العصابة على الأقل يعملون الآن في غزة، بعضهم يشغل مواقع قيادية ضمن عقود مع شركة “يو جي سولوشنز” الخاصة، وهي الشركة المسؤولة عن الأمن في مواقع مؤسسة المساعدات. سبعة من هؤلاء يشغلون مناصب عليا، ويتحكمون في إدارة ما يسمى بمراكز التوزيع. وعلى رأسهم جوني “تاز” مولفورد، وهو زعيم سابق للعصابة وضابط أمريكي خدم في الجيش وأدين سابقاً في قضايا فساد ورشوة وسرقة وتقديم بيانات كاذبة للسلطات العسكرية. مولفورد يشغل الآن منصب “قائد الفريق القطري” في غزة، أي أنه المسؤول الأول عن عقد الشركة هناك، وهو الذي قام باستقدام أعضاء العصابة للعمل معه.
من بين الأسماء التي حددها التحقيق أيضاً لاري “جي-رود” جاريت، نائب رئيس العصابة، والذي يدير جانباً من العمليات اللوجستية في غزة. كما تم الكشف عن بيل “ساينت” سيبي، أمين صندوق العصابة على المستوى الوطني، والذي يقود فريق الأمن في واحد من مواقع التوزيع الأربعة التابعة للمؤسسة. كذلك ريتشارد “إيه-تراكر” لوفتون، وهو أحد المؤسسين الأوائل للعصابة، ويقود فريقاً أمنياً في موقع آخر. هذه الأسماء لم ترد عليها أي تعليقات رغم توجيه أسئلة مباشرة لهم من قبل الصحفيين.
التحقيق لم يكتف بعرض المناصب القيادية، بل كشف أيضاً عن أن ستة آخرين من أعضاء العصابة جرى توظيفهم في فرق الأمن، بعضهم قادة ميدانيون أو نواب لهم. وتقدر المصادر أن نحو أربعين عنصراً من أصل ثلاثمائة وعشرين موظفاً يعملون مع الشركة في غزة ينتمون إلى هذه العصابة. جرى استقدامهم بشكل مباشر من قبل مولفورد، الذي كتب قبل أسبوعين فقط من سفره إلى غزة منشوراً على فيسبوك يدعو فيه الجنود القدامى للتقدم، قائلاً إنه يبحث عن “من لا يزالون قادرين على إطلاق النار والتحرك والتواصل”.
التحقيق أشار إلى أن الشركة الأمنية كانت تدفع رواتب ضخمة لهؤلاء المرتزقة، إذ يحصل العنصر الواحد على نحو 980 دولاراً يومياً شاملة النفقات، بينما يحصل قادة الفرق على ما يقارب 1580 دولاراً يومياً. وثائق مسربة أكدت هذه المبالغ، وذكرت أن أحد قادة الفرق نشر صورة من غزة يظهر فيها مع مجموعة من زملائه بجانب لافتة مكتوب عليها “لنجعل غزة عظيمة من جديد”، في تحوير ساخر لشعار ترامب الانتخابي “لنجعل أمريكا عظيمة من جديد”.
العصابة التي تحمل اسم “إنفيدلز” أسسها جنود أمريكيون شاركوا في حرب العراق عام 2006، وهي تعرّف نفسها بأنها مجموعة من “الصليبيين الجدد”. شعارها الأساسي هو صليب الحملات الصليبية، كرمز لحروب القرون الوسطى ضد المسلمين. سجّلها مليء بالعداء العلني للإسلام، حيث تنشر بشكل دوري خطابات كراهية ضد المسلمين على صفحتها في فيسبوك، ونظمت سابقاً حفلات شواء خنازير خلال شهر رمضان “تحدياً” لمشاعر المسلمين. ومن هنا، فإن وجودها في مواقع توزع الطعام على الجوعى في غزة لم يكن سوى وصفة لمزيد من الدماء.
منظمة الحقوق المدنية الأمريكية الإسلامية “كير” علقت على هذه الفضيحة بالقول إن وضع عصابة “إنفيدلز” لإدارة المساعدات في غزة يشبه “تسليم منظمة كو كلوكس كلان مهمة المساعدات في السودان”، في إشارة إلى أن هذا الترتيب لا يمكن أن يقود إلا إلى العنف. نائب مدير المنظمة، إدوارد أحمد ميتشيل، قال بوضوح إن ما حدث في غزة هو نتيجة حتمية لمثل هذا القرار، مؤكداً أن الاستعانة بعصابة تحمل هذه الخلفية “لا معنى له إطلاقاً”.
التحقيق أضاف تفاصيل أخرى مثيرة عن الشركة نفسها. فمؤسس ومدير شركة “يو جي سولوشنز”، جيمسون جوفوني، اعتقل في وقت سابق من هذا العام في ولاية نورث كارولاينا بتهم تتعلق بالفرار من الشرطة وحادثة صدم وفرار. الشركة من جهتها قالت إنها تجري “فحوص خلفية شاملة” على موظفيها ولا توظف إلا الأشخاص الذين يجتازون هذه الإجراءات، لكنها في نفس الوقت اعترفت بأنها لا تستبعد الأشخاص بسبب “هواياتهم أو انتماءاتهم الشخصية”، في تبرير مباشر لاختيار أعضاء عصابة تحمل تاريخاً من العداء العنصري والديني.
القصة لم تخلُ من سخرية سوداء. فقد تبين أن مولفورد نفسه عندما رد على رسالة إلكترونية أرسلها الصحفيون، ضغط بطريق الخطأ على “الرد على الجميع”، ما أدى إلى كشف أسماء وعناوين البريد الإلكتروني لعدد من القيادات في العصابة ممن كانوا يعملون معه في غزة. هذا الخطأ ساعد على كشف مدى اتساع عملية تجنيد أعضاء العصابة للعمل في مواقع غزة.
إجمالاً، يكشف التحقيق أن ما يجري في غزة لم يكن مجرد “توزيع مساعدات”، بل عملية أمنية مدفوعة بالأموال الكبيرة ومرتبطة بجماعات متطرفة تحمل عداءً صريحاً للإسلام. عشرات من أعضاء عصابة دراجات نارية أمريكية، تعرّف نفسها بالصليبية وتحتفل بإهانة المسلمين، أُعطوا سلطة مطلقة على مواقع يتجمع فيها الجوعى للحصول على الطعام، فتحولت المساعدات إلى فخ دموي، وأصبح الأمن مجرد واجهة لمزيد من القتل.