نشر الكاتب البريطاني سيمون تيسدال مقال رأي في صحيفة الغارديان تناول فيه ظاهرة الإفلات من العقاب باعتبارها السمة الأبرز للنظام الدولي الراهن، معتبرًا أن الحكم الصادر بحق أحد قادة مليشيا الجنجويد في السودان لا يمثل انتصارًا طبيعيًا للعدالة الدولية، بل استثناءً نادرًا في عالم باتت فيه المحاسبة القانونية حدثًا عرضيًا.
ويشير تيسدال إلى أن المحكمة الجنائية الدولية أصدرت، الأسبوع الماضي، حكمًا بالسجن لمدة عشرين عامًا بحق علي محمد علي عبد الرحمن، المعروف باسم “علي كوشيب”، أحد قادة مليشيا الجنجويد المدعومة من الحكومة السودانية، بعد إدانته بـ27 تهمة تتعلق بجرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية ارتُكبت في إقليم دارفور بين عامي 2003 و2005. ويرى الكاتب أن هذه الإدانة تُعد إنجازًا نادرًا لمحاكم دولية تكافح أصلًا في مواجهة تصاعد الفوضى القانونية الرسمية.
ويلفت الكاتب إلى أن هذه الإدانة لا تعكس بالضرورة تحولًا في ميزان العدالة، إذ رغم تورط مئات من عناصر المليشيا في الجرائم، يبقى كوشيب أول شخص يُدان قضائيًا على جرائم دارفور، التي عادت اليوم لتشهد موجة عنف جديدة في ظل الحرب الأهلية الجارية في السودان. ويذكّر بأن المحكمة الجنائية الدولية وجهت اتهامات مباشرة إلى عمر البشير، الرئيس السوداني آنذاك، بارتكاب جرائم إبادة وجرائم حرب، كما اتهمت الوزير السابق أحمد هارون بجرائم مماثلة، إلا أن كليهما ما زال بعيدًا عن أي مساءلة فعلية.
ويستعيد تيسدال تجربته الشخصية حين أجرى مقابلة مع عمر البشير في الخرطوم عام 2011، حيث سخر الأخير من اتهامات الإبادة الجماعية، وادعى أن حكومته، بالتعاون مع المليشيات العربية، كانت تحارب التمرد المسلح لا سكان دارفور. ويشير الكاتب إلى أن البشير تحدث آنذاك عن “معايير غربية مزدوجة”، وأصر على أنه لم يرتكب أي خطأ، قبل أن يُطاح به في انتفاضة شعبية عام 2019، أعقبها استيلاء الجيش على السلطة ودخول البلاد في حرب أهلية جديدة.
كما يستحضر الكاتب تصريحات أحمد هارون في عام 2008، حين كان يشغل منصب “وزير الشؤون الإنسانية”، وهو توصيف يصفه الكاتب بالمفارقة غير الساخرة. وينقل عنه قوله إنه لا يشعر بأي ندم، ورفضه لمذكرة التوقيف الصادرة بحقه من المحكمة الجنائية الدولية، معتبرًا إياها سياسية، ومؤكدًا أن ما قام به كان “قانونيًا” و”واجبًا”.
ويرى تيسدال أن هذه الادعاءات المتغطرسة، التي تنفي الجريمة وتُلبس القتل الجماعي ثوب الواجب والمسؤولية، تعبّر عن جوهر المشكلة المعاصرة الأخطر، وهي الإفلات الرسمي من العقاب. ويؤكد أن البشير وهارون لم يعتقدا يومًا أنهما سيُحاسبان دوليًا، وقد أثبت الواقع حتى الآن صحة هذا الاعتقاد، معتبرًا أن هذا الشعور لا يختلف عن شعور شخصيات معاصرة نافذة أخرى.
وفي هذا السياق، يربط الكاتب بين هذه النماذج وبين كل من بنيامين نتنياهو، ووزير الدفاع الأميركي بيت هيغسيث، والرئيس الروسي فلاديمير بوتين، مشيرًا إلى أن هؤلاء، رغم اختلاف مواقعهم، يواجهون اتهامات موثقة من المحكمة الجنائية الدولية، والأمم المتحدة، ومنظمات حقوق الإنسان بارتكاب فظائع بحق المدنيين. ويشير إلى أن كل واحد منهم متهم بالإشراف على القتل المتعمد، أو سوء المعاملة، أو الاختطاف الجماعي لغير المقاتلين، وأنهم جميعًا ينكرون التهم ويبررون أفعالهم متجاهلين القانون والرأي العام والمعايير الأخلاقية الأساسية.
ويتوقف الكاتب مطولًا عند حالة نتنياهو، معتبرًا أنه يخوض معارك متعددة لإنقاذ مستقبله السياسي وتجنب السجن، في وقت باتت فيه سمعته الشخصية، شأنها شأن غزة، مدمَّرة. ويشير إلى محاولاته وقف محاكمته الجارية في القدس بتهم الاحتيال والرشوة بذريعة “المصلحة الوطنية”، وإلى حديثه عن استعداده لقبول العفو من أجل “شفاء الانقسام الداخلي”، وهو ما يراه الكاتب ادعاءً يفتقر إلى المصداقية.
وينتقد تيسدال ما يصفه باستغلال نتنياهو الممنهج للانقسامات الداخلية من أجل البقاء في السلطة، كما يشير إلى رفضه إجراء تحقيق مستقل وشامل في الإخفاقات الأمنية التي سبقت هجمات السابع من أكتوبر 2023. وينقل اتهامات شخصيات معارضة، من بينها أفيغدور ليبرمان، لنتنياهو بالسعي إلى “تبييض” سياسي منظم لإنقاذ نفسه.
ويرى الكاتب أن أخطر مظاهر الإفلات من العقاب تتجلى في تهرب نتنياهو من المساءلة أمام المحكمة الجنائية الدولية بشأن غزة، حيث تُتهم حكومته بارتكاب إبادة جماعية. ويشير إلى أنه بدلًا من الدفاع عن نفسه أمام القضاء، يلوذ نتنياهو بالحماية السياسية الأميركية أو يلتزم الداخل الإسرائيلي لتجنب الاعتقال، بينما تستمر معاناة المدنيين في غزة، ولا سيما الأطفال الجائعين، نتيجة سياساته.
وفي تناوله للدور الأميركي، يركّز تيسدال على بيت هيغسيث، الذي يصفه بسخرية حادة، معتبرًا أنه أقنع نفسه بشرعية قتل عشرات الأشخاص المجهولين على قوارب في البحر الكاريبي استنادًا إلى شبهات غير مثبتة بالتهريب. ويرى الكاتب أن هذا السلوك يُقدَّم بوصفه قانونيًا، رغم كونه قتلًا خارج إطار القانون.
ويشير إلى أن الولايات المتحدة تبرر هذه العمليات بالحديث عن “معلومات استخباراتية”، دون تقديمها لحلفائها، وأن الضحايا يُصنَّفون باعتبارهم “إرهابيين أجانب” لتبرير استهدافهم. ويؤكد أن هيغسيث لا يعير أي اهتمام لآراء القضاة أو القانونيين، إذ لا يرى أهمية سوى لرأي شخص واحد هو دونالد ترامب.
ويرى الكاتب أن ترامب وهيغسيث يتصرفان على أساس أن لا أحد سيحاسبهما، مشيرًا إلى أن ظهور تسجيل مصور يُظهر قتل ناجين في ضربة ثانية متعمدة لم يدفع إلى مساءلة جدية، وأن البنتاغون لم يكن صريحًا في تعامله مع القضية. وينقل عن ترامب تصريحه بأن كل ما يفعله هيغسيث “مقبول” بالنسبة له.
ويخلص تيسدال إلى أن هذا السلوك يجسد المعنى الحقيقي للإفلات من العقاب، ويرى فيه إعلانًا عمليًا عن نهاية حكم القانون. ويعتبر أن تصرف الولايات المتحدة، بوصفها القوة الأقوى في العالم، يعكس تخليها عن القواعد الأساسية التي تحافظ على الحد الأدنى من النظام الدولي، مشبهًا ممارساتها في البحر قبالة فنزويلا بسلوك القراصنة أو الجماعات المسلحة التي تدينها.
ولا يرى الكاتب غرابة في أن يعتقد فلاديمير بوتين، المطلوب هو الآخر من المحكمة الجنائية الدولية، أنه قادر على الإفلات من العقاب، مشيرًا إلى أن ترامب سعى ضمن خطته بشأن أوكرانيا إلى توفير حصانة لبوتين، ويعمل في الوقت نفسه على تقويض المحكمة الجنائية الدولية عبر العقوبات. ويتساءل الكاتب عن النموذج الأخلاقي الذي يقدمه ذلك، وعن كيفية استمرار أوروبا وبريطانيا في اعتبار الولايات المتحدة حليفًا “متشابه القيم”.
ويختتم تيسدال تحليله بالقول إن هؤلاء الفاعلين المنفلتين في الداخل والخارج باتوا يمثلون “الجنجويد الجدد”، مؤكدًا أن ما حدث مع علي كوشيب يجب أن يكون نموذجًا، وأن ترامب ونتنياهو وبوتين وهيغسيث، وسواهم ممن تورطوا في قتل المدنيين، يجب أن يُحاسَبوا يومًا ما أمام القضاء، مهما طال الزمن.