فرضت بريطانيا، بالتنسيق مع كندا وأستراليا ونيوزيلندا، عقوبات على وزير الأمن القومي الإسرائيلي إيتمار بن غفير ووزير المالية بتسلئيل سموتريتش، بسبب تصريحات صريحة بالدعوة إلى إبادة الفلسطينيين وتدمير غزة بالكامل وتشجيع الاستيطان والتطهير العرقي. العقوبات شملت تجميد الأصول ومنع السفر، وهي خطوة طال انتظارها رغم أن أسبابها كانت معلنة منذ وقت طويل.

الملفت أن قرار العقوبات لم يكن مفاجئًا أو طارئًا، بل ظل على مكاتب الوزراء البريطانيين لأكثر من عام. طوال هذه المدة، كانت التصريحات العنصرية والتحريضية تزداد وقاحة، فيما كانت الحكومات الغربية تراقب بصمت. قرار العقوبات لم يُتخذ إلا بعد نقاشات مطوّلة سعت خلالها لندن للحصول على دعم دولي أوسع لتجنّب أي مواجهة سياسية منفردة.

سموتريتش لم يخفِ نواياه. أعلن في مايو الجاري أن غزة يجب أن تُدمّر بالكامل، وأن السكان يجب أن يُنقلوا إلى منطقة إنسانية مؤقتة، تمهيدًا لترحيلهم إلى دول أخرى. بل ذهب أبعد من ذلك حين برر احتمال موت مليوني فلسطيني من الجوع باعتباره “مبررًا وأخلاقيًا”، وفق تعبيره، طالما أن ذلك قد يسرّع استعادة الأسرى الإسرائيليين.

بن غفير كرر الاقتحامات للمسجد الأقصى، وأكد دعواته العلنية إلى هدمه وبناء كنيس يهودي مكانه. كما دعا مرارًا إلى تشجيع “الهجرة الطوعية” لسكان غزة، في إشارة إلى تطهيرهم عرقيًا. هذه التصريحات ليست ارتجالية، بل تنبع من عقيدة أيديولوجية يمينية متطرفة، تتغلغل داخل مراكز القرار في حكومة نتنياهو.

ورغم كل هذه المواقف، لم تبادر لندن ولا عواصم الغرب باتخاذ أي إجراء رادع. حتى وزير الخارجية البريطاني، ديفيد لامي، الذي وصف تصريحات سموتريتش قبل أسبوعين بأنها “بشعة ومقززة”، قرر حينها تأجيل القرار. لم يُفرض سوى عقوبات محدودة على مجموعة صغيرة من المستوطنين، بينما ظل الوزراء المسؤولون عن التحريض على الإبادة فوق المساءلة.

لو تم اتخاذ هذه الخطوة منذ أشهر، لأمكن إرسال رسالة دولية واضحة ترفض الخطاب العنصري والتحريضي من داخل الحكومة الإسرائيلية. تجاهل هذه الدعوات طوال هذه المدة، ترك الميدان مفتوحًا لمزيد من التصعيد، والضحايا كانوا دومًا من المدنيين العزّل، أطفالاً ونساءً ورجالاً محاصرين بلا ملجأ.

الملحوظ أن الولايات المتحدة لم تشارك في هذه العقوبات، وهو ما يُظهر استمرار التواطؤ السياسي، على الرغم من حديثها المتكرر عن حقوق الإنسان. غياب واشنطن عن هذا القرار يُضعف مضمونه ويجعله أقرب إلى رسالة رمزية منه إلى موقف سياسي حاسم.

قرار العقوبات، رغم تأخره، لا يجب أن يُستخدم كغسيل وجه لحكومات تقاعست طويلًا. لا يكفي استهداف فردين من رموز التحريض على الإبادة، في الوقت الذي تستمر فيه المجازر والسياسات الإجرامية بدعم من مؤسسات الدولة بأكملها. المطلوب ليس فقط محاسبة بن غفير وسموتريتش، بل فتح مسار محاسبة شامل يشمل الحكومة الإسرائيلية ككل، وملاحقتها أمام المحاكم الدولية.