لم تعد الحرب الأمريكية ـ الإسرائيلية على المحكمة الجنائية الدولية مجرد حملة سياسية أو خطاب تهديد ضد مؤسسة قضائية دولية. ما تكشفه الدعوى القضائية التي رفعها ثلاثة من قضاة المحكمة أمام محكمة فيدرالية في نيويورك يذهب أبعد من ذلك بكثير: قضاة دوليون حُرموا من حساباتهم المصرفية، وبطاقاتهم البنكية، وتأمينهم الصحي، وخدمات السفر والتكنولوجيا، لأنهم أدّوا عملهم القضائي في ملفات تمس الولايات المتحدة وإسرائيل. الدعوى، التي رُفعت في 24 يونيو/حزيران أمام المحكمة الجزئية الأمريكية للمنطقة الجنوبية من نيويورك، تصف العقوبات بأنها أشبه بـ“عقوبة إعدام مالية” تستهدف القضاة في حياتهم اليومية، لا في وظائفهم فقط.
القضاة الثلاثة هم كيمبرلي بروست من كندا، وسولومي بالونغي بوسا من أوغندا، ورين ألابيني-غانسو من بنين. جميعهم تولوا مهامهم في المحكمة الجنائية الدولية منذ مارس/آذار 2018، ثم وجدوا أنفسهم لاحقًا في قلب حملة عقابية أمريكية بسبب قرارات قضائية اتخذوها داخل المحكمة. بروست وبوسا عوقبتا على خلفية مشاركتهما في قرار استئنافي عام 2020 سمح بفتح تحقيق في جرائم مزعومة في أفغانستان، بما في ذلك جرائم محتملة ارتكبها أفراد أمريكيون. أما ألابيني-غانسو، فاستُهدفت بسبب دورها في الدائرة التمهيدية التي أصدرت مذكرات اعتقال بحق بنيامين نتنياهو ويوآف غالانت في نوفمبر/تشرين الثاني 2024 على خلفية جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية في غزة.
بهذا المعنى، لا تبدو العقوبات الأمريكية دفاعًا عن “السيادة” كما تزعم واشنطن، بل رسالة ترهيب مباشرة: من يقترب قضائيًا من الجرائم الأمريكية أو الإسرائيلية سيدفع ثمنًا شخصيًا. الأمر التنفيذي 14203، الذي وقّعه ترامب في فبراير/شباط 2025، وصف المحكمة بأنها تهديد للولايات المتحدة وحلفائها، وفتح الباب أمام عقوبات مالية وقيود دخول على أفراد مرتبطين بالمحكمة أو بعملها في ملفات تخص الولايات المتحدة أو إسرائيل. البيت الأبيض نفسه قدّم القرار باعتباره ردًا على المحكمة الجنائية الدولية، بينما اعتبرت منظمات حقوقية وخبراء قانونيون أن الهدف الحقيقي هو وقف المحكمة عن أداء ولايتها المستقلة.
النتائج التي ترتبت على العقوبات تكشف حجم البلطجة الأمريكية عندما تُستخدم القوة المالية كسلاح سياسي. القاضية كيمبرلي بروست جُمّد حسابها في بنك HSBC في مانهاتن، وفقدت القدرة على استخدام بطاقاتها الائتمانية، بما فيها بطاقات صادرة من بنوك غير أمريكية. لم تعد قادرة على إجراء تحويلات عادية إذا مرّت عبر النظام المالي الأمريكي، وفُرض عليها الاعتماد على النقد عند السفر خارج مناطق محدودة. حتى حساباتها في خدمات مثل Amazon وGoogle وExpedia تعرضت للتقييد أو الإلغاء، ما جعل مهامًا بسيطة مثل حجز فندق أو طلب سيارة أو شراء احتياجات يومية تتحول إلى معضلة.
أما القاضية سولومي بوسا، فقد جُمّد حسابها في اتحاد الائتمان الفيدرالي للأمم المتحدة في نيويورك، بما في ذلك أموال احتفظت بها هناك منذ عام 2003. لم تعد قادرة على استخدام بطاقاتها، أو شراء الدولار، أو دفع فواتير بالدولار، أو تحويل أموال بين حسابات مرتبطة بالعملة الأمريكية. كما قُطعت عنها خدمات تكنولوجية أمريكية، بينها بريدها الشخصي على Google، في نموذج واضح لكيف تتحول العقوبات من إجراء سياسي إلى حصار شامل على الحياة اليومية.
القاضية رين ألابيني-غانسو عوقبت حتى خارج الولايات المتحدة. ورغم أنها لا تملك حسابات مصرفية أمريكية، تأثر حسابها في فرنسا، وتعطلت قدرتها على استخدام بطاقتها الفرنسية لتغطية نفقات أساسية. والأخطر أنها فقدت التأمين الصحي ولم تستطع الحصول على بديل، كما باتت تحركاتها مقيدة أمنيًا إلى درجة أنها لم تعد تشعر بالأمان في السير إلى مقر المحكمة في لاهاي، وأصبحت بحاجة إلى تنقلات مؤمّنة وحماية أمنية خلال أسفارها الأوروبية.
هنا يظهر الوجه الحقيقي للعقوبات: ليست أداة لمحاسبة مسؤولين عن جرائم، بل أداة لمعاقبة قضاة لأنهم تجرأوا على فتح ملفات المحاسبة. جيمس غولدستون، المدير التنفيذي لمبادرة العدالة في المجتمع المفتوح وأحد محامي القاضية بروست، وصف العقوبات بأنها هجوم غير مسبوق على استقلال القضاء، لأنها تحاول دفع القضاة إلى التفكير في مصالحهم الشخصية وأمنهم المالي بدلًا من الحكم بناءً على الوقائع والقانون.
الأثر لم يتوقف عند القضاة أنفسهم. أفراد من عائلة بروست في كندا باتوا يخشون السفر إلى الولايات المتحدة لمجرد ارتباطهم العائلي بشخص مُدرج على قوائم العقوبات. نجل ألابيني-غانسو تخلى عن خطط الالتحاق بكلية قانون أمريكية، وإحدى بناتها، التي تعمل في منظمة دولية، اضطرت إلى إلغاء رحلات عمل إلى الولايات المتحدة. هكذا تعاقب واشنطن عائلات لم تشارك في أي قرار قضائي، لمجرد أن ذويهم أدوا واجبهم داخل محكمة دولية.
وتتجاوز العقوبات الجانب المالي إلى إسكات القضاة وعزلهم مهنيًا. بروست لم تتمكن من حضور فعاليات أكاديمية وقانونية في الولايات المتحدة، رغم أنها كانت سابقًا تتحدث في جامعات مثل كولومبيا وهارفارد ونيويورك. بل إن مشاركتها الافتراضية في إحدى الفعاليات مُنعت أيضًا. وبوسا واجهت عزلة مشابهة عن المجتمع الحقوقي والقانوني الأمريكي، فيما اضطرت ألابيني-غانسو إلى وقف ندوات وورش عمل كانت تنظمها مع منظمات مدنية في أفريقيا خوفًا من تعريض تلك المنظمات لمخاطر قانونية بموجب نظام العقوبات الأمريكي.
هذه ليست تفاصيل شخصية هامشية. إنها صميم الهدف السياسي من العقوبات: جعل العمل مع المحكمة الجنائية الدولية مكلفًا، مخيفًا، وخطرًا. فالعقوبات الأمريكية لا تستهدف فقط من يُدرج اسمه على القائمة، بل ترسل رسالة إلى كل من حوله: لا تتعامل معه، لا تستضفه، لا تمنحه منصة، لا تؤمّن له خدمة، لا تساعده على الحركة، وإلا قد تصبح أنت أيضًا تحت التهديد. بذلك يتحول النظام المالي الأمريكي إلى سجن غير مرئي، يستخدمه البيت الأبيض لحماية المتهمين الأقوياء من قاعة المحكمة.
المفارقة الأكثر فجاجة أن واشنطن دعمت المحكمة الجنائية الدولية سياسيًا عندما تعلّق الأمر بجرائم روسيا في أوكرانيا، لكنها انقلبت على المحكمة عندما اقتربت من إسرائيل أو من الجرائم الأمريكية في أفغانستان. هذه هي ازدواجية العدالة الغربية في صورتها الصافية: المحكمة مقبولة عندما تطارد خصوم الغرب، ومرفوضة عندما تفتح ملف حليف استراتيجي أو قوة أمريكية.
إصدار المحكمة الجنائية الدولية مذكرات اعتقال بحق نتنياهو وغالانت في 21 نوفمبر/تشرين الثاني 2024 كان لحظة مفصلية. المحكمة قالت إن هناك أسبابًا معقولة للاعتقاد بمسؤوليتهما عن جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية في غزة، من بينها استخدام التجويع كوسيلة حرب، والقتل، والاضطهاد، وأفعال غير إنسانية ضد المدنيين. بدل أن تتعامل واشنطن مع القرار كمسار قضائي مستقل، تعاملت معه كتهديد سياسي يجب سحقه.
وهنا تتضح البلطجة الأمريكية ـ الإسرائيلية المشتركة. إسرائيل ترفض ولاية المحكمة وتهاجمها سياسيًا، والولايات المتحدة تستخدم نفوذها المالي العالمي لمعاقبة القضاة والمدعين وكل من يقترب من ملف المساءلة. النتيجة واحدة: حماية المتهمين الإسرائيليين من العدالة، وتحويل القضاة أنفسهم إلى أهداف. لم تعد الرسالة موجهة إلى المحكمة فقط، بل إلى النظام الدولي كله: لا تقتربوا من إسرائيل، ولا تقتربوا من الجرائم الأمريكية، وإلا ستُحاصرون ماليًا ومهنيًا وشخصيًا.
إن وصف العقوبات بـ“عقوبة إعدام مالية” ليس مبالغة. فحين يُحرم القاضي من حسابه البنكي، وبطاقته، وتأمينه الصحي، وسفره، ومنصاته الأكاديمية، وتتعطل حياة أسرته، فإن الأمر لم يعد عقوبة رمزية. إنه تجريد عملي من القدرة على الحياة الطبيعية. واشنطن لا تقول للقضاة فقط: لا تحاكموا حلفاءنا. إنها تقول لهم: سنجعل حياتكم مستحيلة إذا فعلتم.
ورغم ذلك، تؤكد الدعوى أن القضاة الثلاثة واصلوا أداء مهامهم وفقًا لقسمهم القضائي، رغم الكلفة الشخصية الهائلة. وهذا بالضبط ما يجعل القضية خطيرة: إذا كان قضاة دوليون كبار، محميون بمكانتهم ومؤسساتهم، يمكن أن يتعرضوا لهذا النوع من الحصار، فما الذي يمكن أن يحدث للضحايا والشهود والمحامين والنشطاء الذين يطالبون بمحاسبة إسرائيل أو الولايات المتحدة؟
القضية إذن ليست دفاعًا عن ثلاثة قضاة فقط، بل دفاع عن فكرة العدالة الدولية نفسها. إذا نجحت واشنطن في تحويل العقوبات إلى سلاح ضد القضاء، فإن كل ملف يتعلق بفلسطين أو أفغانستان أو أي جريمة يرتكبها حليف أمريكي سيصبح مشروطًا بالخوف. لن يعود السؤال: ماذا يقول القانون؟ بل: هل ستسمح الولايات المتحدة للقانون أن يتحرك؟
في النهاية، تكشف هذه الفضيحة أن الولايات المتحدة وإسرائيل لا تعارضان المحكمة لأنها “منحازة”، بل لأن المحكمة تجرأت أخيرًا على التعامل مع الفلسطينيين كضحايا يستحقون العدالة، ومع قادة إسرائيل كمسؤولين يمكن مساءلتهم. وعندما وصلت العدالة إلى هذا الحد، تحركت واشنطن لا لحماية القانون، بل لحماية الإفلات من العقاب.
ما يجري ليس خلافًا قانونيًا عاديًا. إنه محاولة منظمة لخنق المحكمة الجنائية الدولية ماليًا، وترهيب قضاتها، وعزلهم، وإجبار العالم على قبول معادلة واحدة: العدالة مسموحة ضد الضعفاء والخصوم، لكنها ممنوعة عندما تقف فلسطين في مواجهة إسرائيل، أو عندما تقترب المحكمة من جرائم أمريكا وحلفائها.