خلال الأيام الماضية، تحولت حادثة توقيف المصري المقيم في بريطانيا أحمد عبدالقادر، الشهير بـ”ميدو”، إلى قضية رأي عام، بعدما ظهر في مقطع مصور وهو يرفع سكيناً في وجه محتجين مصريين أمام مقر السفارة المصرية في لندن.
ورغم أن الشرطة البريطانية سارعت إلى احتجازه قبل أن تفرج عنه لاحقاً، فإن التضخيم الإعلامي للحادثة، خصوصاً من منصات موالية للنظام، فتح سجالاً واسعاً انتهى بتعليق ساخر من علاء مبارك، نجل الرئيس الراحل حسني مبارك، الذي وصف “الهالة البطولية” حول ميدو بأنها “أڤورة غير مفهومة”.

من حادثة عابرة إلى “بطولة زائفة”
القصة بدأت مع رجل الأعمال المصري المقيم في لندن، أشرف السعد، الذي كتب تدوينة مثيرة للجدل، اعتبر فيها أن ما حدث لميدو “منحة من الله”، قائلاً: “في 24 ساعة فقط أصبح بطلاً قومياً في مصر والعالم العربي مثل رأفت الهجان”.
هذا الوصف أثار موجة من التعليقات، خاصة أنه شبّه واقعة فردية مرتبكة ببطولات استخباراتية تاريخية.
لكن سرعان ما رد علاء مبارك بتعليق ساخر، قال فيه: “بطل قومي في مصر، بل والوطن العربي مرة واحدة! حضرتك ليه محسسنا إنك بتتكلم عن سيف الله المسلول لشجاعته ومهارته الفائقة! أڤورة غير مفهومة الحقيقة”.
وأضاف: “أكيد كلنا ضد أي مساس بسفاراتنا في الخارج، لكن الأمور لا تُدار هكذا. تأمين السفارات مسؤولية الدولة المضيفة وفق القانون الدولي، بالتعاون مع بعثاتنا الدبلوماسية”.
بهذا التعليق، أعاد مبارك نجل الرئيس الراحل النقاش إلى حجمه الواقعي، منتقداً تحويل حادثة فردية إلى “قضية كرامة وطنية” وتغليفها بخطاب شعبوي يفتقر إلى المنطق.
بلطجي السيسي
بالتوازي مع الضجة، كانت هناك وقفة احتجاجية نظمها نشطاء الجالية المصرية في لندن، طالبوا خلالها بفتح معبر رفح لإدخال المساعدات إلى غزة والإفراج عن المعتقلين السياسيين. ورفعوا لافتات تندد بـ”التواطؤ المصري مع الاحتلال الإسرائيلي”.
في خضم ذلك، ظهر ميدو في فيديو قصير وهو يرفع سكيناً في وجه معارضين، من بينهم الناشط أنس حبيب وشقيقه. ورغم أن الموقف انتهى بتدخل الشرطة البريطانية، فإن الإعلام الموالي للنظام صاغ الحادثة بوصفها “تصديّاً بطولياً لمؤامرات المعارضة ضد مصر”، ما زاد من حدة الجدل.
وفي حين قدّم أنصار النظام الواقعة كـ”دفاع عن كرامة الوطن”، اعتبر معارضون أن ما جرى “عمل أرعن” يضر بصورة مصر في الخارج، ويكشف عن محاولة استعراض القوة لقمع الاحتجاجات.
الدور المثير للخارجية المصرية
لم يتوقف الجدل عند هذا الحد، إذ ظهر لاحقاً مقطع فيديو لوزير الخارجية المصري بدر عبدالعاطي، وهو يعطي تعليمات لسفير مصر في هولندا بضرورة “القبض على أي شخص يقترب من أسوار السفارة”، قائلاً: “أي شخص يحاول تعطيل عملها سيتم سحبه إلى داخل السفارة”.
هذه التصريحات وُصفت من جانب معارضين بأنها “تحريض على العنف”، فيما رآها آخرون مؤشراً على “تزاوج خطير” بين العمل الدبلوماسي وممارسات أمنية قد تثير مشاكل قانونية في دول الاستضافة.
أحمد عبدالقادر، الذي يعرف نفسه بـ”رئيس اتحاد الشباب المصريين بالخارج”، قدّم نفسه طويلاً على أنه مدافع عن السفارات المصرية في مواجهة “استهداف المعارضة”. لكن معارضين يرون أن الكيان الذي يقوده مجرد “واجهة غير رسمية” لتبييض صورة النظام، مستندين إلى صلاته المعلنة بشخصيات متهمة في قضايا قمع وقتل مثل اللواء عباس كامل والوزير الأسبق محمد إبراهيم.
وبعد توقيفه لساعات، أعلن نائب رئيس الاتحاد أن “الإفراج عن ميدو جاء بجهود الدولة المصرية”، مضيفاً أن “كرامة المصري خط أحمر”. لكن هذه الرواية قوبلت بتشكيك واسع، واعتبرها معارضون محاولة لإظهار أن “النظام يحمي رجاله حتى لو تجاوزوا القانون”.
علاء مبارك بين النقد والسخرية
هنا يبرز تعليق علاء مبارك بوصفه محطة فارقة، لأنه كسر موجة “التهليل الإعلامي”، وقدم خطاباً ساخراً لكنه منطقي.
فقد أشار بوضوح إلى أن “تكبير الموضوع” كان بلا داعٍ، وأن الدوشة الإعلامية لمجموعة أشخاص أمام السفارة “مالهاش لازمة”.
السخرية هنا تحمل أكثر من دلالة؛ فهي تعكس نفور شريحة واسعة من المصريين من أسلوب “صناعة الأبطال الوهميين”، كما تكشف أن أبناء النظام السابق يحاولون التمايز عن خطاب النظام الحالي، عبر لغة أقرب إلى الشارع، تسخر من المبالغة وتفضح الارتباك.
قضية مفتوحة على التصعيد
مع استمرار الحراك الاحتجاجي للجاليات المصرية في أوروبا ضد الموقف الرسمي من العدوان على غزة، تبدو القضية مرشحة لمزيد من التصعيد. فكل وقفة احتجاجية جديدة قد تتحول إلى مواجهة مع “مجموعات موالية” على غرار ما فعله ميدو، لتعيد إنتاج الأزمة في شكل أكبر.
وفي النهاية، تبقى السخرية التي أطلقها علاء مبارك بمثابة مرآة تكشف التناقض بين “الخطاب الإعلامي الذي يصنع أبطالاً من ورق” وبين الواقع الذي يرى فيه كثيرون أن الأمر لم يتجاوز “شجاراً عابراً في الشارع”، استُخدم لترويج خطاب سياسي يخدم السلطة أكثر مما يخدم صورة مصر.
اقرأ أيضًا : الرأي العام الأمريكي ينقلب: نصف الناخبين يعتبرون ما يجري في غزة “إبادة جماعية”