نشر البروفيسور ديفيد ميلر تحقيقاً استقصائياً بعنوان “علاقات إبستين الإفريقية والروابط الإماراتية وبروز نظام الهيمنة الصهيونية العالمية” أو ما يعرف بـ Pax Judaica  وهو “السلام اليهودي- يتناول فيه شبكة العلاقات التي نسجها جيفري إبستين في إفريقيا، والروابط التي جمعت هذه الشبكة ببنية النفوذ الإماراتية عبر شركة DP World، إلى جانب الدور الذي لعبته شركات تكنولوجية واستخباراتية مرتبطة بإسرائيل في توسيع هذا الحضور داخل القارة.

وفي هذا الجزء من التحقيق، يستعرض ميلر ما يصفه بنمط من التغلغل الصهيوني عبر موانئ دي بي وورلد في إفريقيا، موضحاً كيف تحولت هذه الموانئ، وفق ما يورده، إلى نقاط عبور لعمليات تتعلق بالنفوذ الاستخباراتي، ومراقبة الاتصالات، والتغلغل الاقتصادي، وذلك بمشاركة شركات أمن سيبراني وتقنيات مراقبة أسسها أو يديرها قدامى ضباط في وحدة 8200 التابعة للاستخبارات الإسرائيلية.

فيما يتعلق بشمال إفريقيا، وتحديداً الجزائر، يوضح التحقيق أن الحضور الإفريقي لـ”دي بي وورلد” يعزز النشاط الصهيوني حتى خارج البلدان التي زارها إبستين. فميناء جن جن الجزائري يخضع لامتياز تشغيل من “دي بي وورلد” منذ عام 2009. والجزائر لا تربطها أي علاقات دبلوماسية بإسرائيل، وقد عارضت تاريخياً المصالح الصهيونية، بما في ذلك من خلال دعمها للقضية الفلسطينية. ولذلك يرى التحقيق أنه من المرجح بدرجة عالية أن يكون عناصر من الموساد أو من وحدة 8200 يستخدمون ميناء “دي بي وورلد” في عمليات سرية. وكما جاء في الجزء الأول من هذا التحقيق، فإن الموساد أنشأ شبكة إرهابية في أنحاء شمال إفريقيا خلال خمسينيات القرن الماضي لمواجهة الضغوط المطالبة بإنهاء الاستعمار. وقد عُرفت تلك الشبكة باسم “ها-ميسغيريت” أو “الإطار”، وكانت نشطة خصوصاً في المغرب، ولكن أيضاً في الجزائر.

ويتابع التحقيق أن شبكة “ها-ميسغيريت” بدأت بالتركيز على المغرب، لكنها توسعت إلى الجزائر بحلول عام 1955، حيث أنشأت خلايا مسلحة في مناطق رئيسية مثل القسنطيني، ووهران، والجزائر العاصمة. ووفقاً للأبحاث التي يستند إليها ميلر، قام عملاء الموساد بتدريب شبان يهود محليين على “الدفاع عن النفس”، غير أن هذه الوحدات سرعان ما انتقلت إلى تنفيذ عمليات هجومية ضد الوطنيين الجزائريين. وقد عملت هذه الشبكة تحت غطاء حماية الجماعة المحلية، لكنها، في الواقع، انسجمت مع القوات الاستعمارية الفرنسية التي كانت تقاوم إنهاء الاستعمار. كما زوّد الكيان الصهيوني فرنسا بمعلومات استخباراتية عن شحنات السلاح المتجهة إلى جبهة التحرير الوطني، بما أتاح اعتراض سفينة Athos قبالة السواحل المغربية عام 1956.

وتحت عنوان “دور ها-ميسغيريت في مقاومة استقلال الجزائر”، يقول التحقيق إن الشبكة شاركت بشكل مباشر في تخريب مسار التحرر من الاستعمار الفرنسي. وينقل عن مصادره أن الشبكة نفذت أولى عملياتها الكبرى في قسنطينة عام 1956، حيث جرى تعبئة نحو مئة شاب يهودي لتنفيذ أعمال انتقامية عنيفة عقب هجمات استهدفت متاجر يهودية ونُسبت إلى جبهة التحرير الوطني.

ويؤكد التحقيق أن هذه الأنشطة التي وُصفت بـ”الدفاعية” انزلقت سريعاً إلى دوامة من الإرهاب. فقد نفذت وحدات “ها-ميسغيريت” اغتيالات وتفجيرات استهدفت مقاتلي جبهة التحرير الوطني ومدنيين على حد سواء. وعلى مدى أشهر، كما يرد في المصادر التي يستند إليها التحقيق، واصلت الجماعة تنفيذ ضربات إرهابية ضد جبهة التحرير، متجاهلة حتى مناشدات الجيش الفرنسي بضرورة التهدئة.

كما امتدت جرائم الشبكة، بحسب التحقيق، إلى التعاون مع منظمة الجيش السري الفرنسية اليمينية المتطرفة، التي كانت تضم مستوطنين فرنسيين يعارضون استقلال الجزائر. ويقول التحقيق إن الموساد دعم مخططات هذه المنظمة، بما في ذلك محاولة تغيير النظام ضد الرئيس أحمد بن بلة عام 1963، وهي محاولة أحبطتها القوات الجزائرية بعدما اعتقلت 10 عملاء صهاينة و20 عنصراً وسيطاً. كما يشير إلى أن “الجيش السري”، بما في ذلك جناحه اليهودي الذي قاده أشخاص مثل جان غيناسيا، تلقى تدريبات من الموساد على أساليب الحرب السرية، بعدما كان بعض أفراده قد شاركوا في النكبة إلى جانب الحركة الصهيونية. ووفقاً لما ينقله التحقيق، فقد جرى تأطير استقلال الجزائر، داخل هذا التحالف، على أنه “مؤامرة معادية للسامية”، في ترديد مباشر للدعاية الصهيونية الهادفة إلى تبرير الفظائع.

ويرى التحقيق أن عمليات “ها-ميسغيريت” ألحقت أضراراً جسيمة بجهود إنهاء الاستعمار في الجزائر. فخلايا الموساد المسلحة، بحسب ما ينقله ميلر عن مصادره، نظمت اغتيالات لأعضاء في جبهة التحرير الوطني ولمتعاطفين معها، وأسهمت في بث الانقسام وإطالة أمد العنف الاستعماري. وفي واحدة من الوقائع التي يصفها التحقيق بأنها سيئة السمعة، جرى “تحييد” من اعتُبروا تهديداً من خلال عمليات قتل موجهة. وهذه الأعمال، التي امتدت من عام 1956 إلى عام 1961، أودت بحياة عدد كبير من الأشخاص، وعطلت لوجستيات جبهة التحرير الوطني، وانسجمت مع حملات التعذيب الفرنسية التي قتلت مئات الآلاف.

ثم ينتقل التحقيق إلى ما بعد الاستقلال، مشيراً إلى أن ظل الموساد استمر مخيماً على الجزائر. فبحسب ما يورده ميلر نقلاً عن كتاب “حروب إسرائيل السرية: تاريخ أجهزة الاستخبارات الإسرائيلية” لإيان بلاك وبيني موريس، حاول عملاء الموساد خطف طائرة الرئيس أحمد بن بلة، في امتداد واضح لإرث “ها-ميسغيريت” الإرهابي.

أما اليوم، فيقول التحقيق إنه، ونتيجة مقاومة الجزائر الراسخة للصهيونية، لا توجد أدلة كثيرة على اختراق شركات أسسها أفراد من وحدة 8200 الإسرائيلية للبلاد، باستثناء مجموعة NSO. ومع ذلك، توجد أدلة على عمليات تجسس للموساد. فقد أعلنت السلطات الجزائرية أنها كشفت منذ عام 2000 ما لا يقل عن شبكتي تجسس وفرداً واحداً مرتبطين بإسرائيل، شملت نحو 19 إلى 20 شخصاً.

ويورد التحقيق الأمثلة التالية:

  • في عام 2007، حُكم على صحافي جزائري بالسجن عشر سنوات بتهمة التجسس لصالح إسرائيل في منطقة القبائل.
  • وفي الفترة بين 2015 و2018، فيما عُرف بشبكة تجسس غرداية، قالت قوات الأمن الجزائرية إنها اعتقلت في عام 2015، على ما أُعلن عنه في 2017، عشرة أشخاص من دول من بينها ليبيا ومالي وإثيوبيا وليبيريا ونيجيريا وكينيا وغينيا، إضافة إلى ليبيري من أصل لبناني، وجرى اتهامه بإدارة شبكة تجسس لصالح إسرائيل باستخدام معدات اتصالات متطورة. وفي عام 2018، أصدرت المحكمة أحكاماً على سبعة أو ثمانية منهم: أحدهم، وقيل إنه قائد الشبكة، حُكم عليه بالإعدام، بينما حُكم على ستة أو سبعة آخرين بالسجن عشر سنوات بتهم التجسس وتقويض الأمن وجرائم مرتبطة بالإرهاب.
  • أما في عام 2024، وفي ما عُرف بشبكة تجسس تلمسان، فقد أعلن الرئيس تبون تفكيك شبكة تجسس ذات صلات مغربية وإسرائيلية، شملت اعتقالات على خلفية التجسس على الموانئ ومواقع أخرى باستخدام جوازات سفر مغربية.

شمال إفريقيا: مصر

تمتلك شركة “دي بي وورلد” حصصاً في مينائي السخنة والإسكندرية في مصر. وينقل موقع The Cradle أن “عدداً من الموانئ المصرية تحوّل إلى ‘مراكز رئيسية’ للتجارة مع إسرائيل منذ بدء الحرب على غزة”. كما يُقال إن شركة Bler الإسرائيلية، المرتبطة بوحدة 8200، تراقب الاتصالات في ظل نظام السيسي، بما يعزز أدوات القمع. وقد سلّمت Bler منصتها Webint Center إلى إدارة البحوث الفنية (TRD) في مصر، وهي وحدة تابعة لجهاز المخابرات العامة. وتمت هذه الصفقة عبر وسطاء، من بينهم شركة Cyberio الأوكرانية، وهي شريك قديم لـBler، وكذلك عبر سنغافورة، بهدف تجاوز الحساسيات المرتبطة بإبرام صفقات تكنولوجية مباشرة بين إسرائيل ومصر، رغم معاهدة السلام بينهما. ويعزز هذا العقد قدرة السلطات المصرية على مراقبة المواقع الإلكترونية، والاتصالات، والمعارضين، وأنشطة الإنترنت المظلم التي يستخدمها الخصوم في ظل القيود المفروضة على المنصات الرئيسية. وكان مؤسسو شركة Bler قد عملوا سابقاً في شركتي الاستخبارات الإسرائيليتين Verint وNICE Systems.

القرن الإفريقي: السودان وجيبوتي والصومال

يشير التحقيق إلى أن ميناء بربرة في أرض الصومال، الذي دخلت “دي بي وورلد” إليه منذ عام 2017، شكّل معقلاً إماراتياً-صهيونياً، حيث توفّر الطائرات المسيّرة الإسرائيلية، وشركات مرتبطة بوحدة 8200 مثل Cybereason، التي شارك في تأسيسها ليئور ديف، وهو عضو سابق في وحدة 8200، تقنيات “مكافحة الإرهاب” في شمال إفريقيا بالتعاون مع شركة Oxygen الإماراتية، بما يؤمّن نقاط الاختناق في البحر الأحمر لخدمة السيطرة الصهيونية. لكن التحقيق يضيف أنه، في الآونة الأخيرة، اضطرت الإمارات إلى إخلاء قاعدتها في بربرة، الواقعة في الكيان المفترض المسمى أرض الصومال، بعدما تحركت حكومة الصومال بدعم سعودي. كما ألغت الحكومة الصومالية جميع الاتفاقيات المبرمة مع دولة الإمارات العربية المتحدة، وأوضحت، بحسب ما يورده التحقيق: “يسري هذا القرار على جميع الاتفاقيات وأوجه التعاون في موانئ بربرة وبوصاصو وكيسمايو.”

أما في جيبوتي، فقد كان ما وصفه إبستين بـ”جنة المهرّبين” يحتضن عمليات “دي بي وورلد” وسط طموحات لإقامة قواعد بحرية صهيونية، إلى أن أُخرجت الشركة من هناك عام 2014. كما يُقال إن برنامج التجسس Pegasus، الذي تنتجه مجموعة NSO، نشط أيضاً في الجزائر، وساحل العاج، ومصر، وكينيا، وليبيا، والمغرب، ورواندا، وجنوب إفريقيا، وتوغو، وتونس، وأوغندا، وزامبيا. كذلك باعت الشركة الإسرائيلية Verint برامج تجسس خاصة بها في جنوب السودان، ذلك الكيان المنفصل الذي حظي بدعم قوي من المستعمرة الصهيونية ومن فرق موت ممولة إماراتياً.

أنغولا

في أنغولا، تزامنت زيارات إبستين مع جهود صهيونية أوسع لتأمين الموارد المعدنية، مثل الألماس والنفط، وهي موارد يعتبرها التحقيق حيوية لاستدامة اقتصاد الاحتلال. وقد أصبح ميناء لواندا الأنغولي، الذي تتولى “دي بي وورلد” إدارته منذ عام 2021، عقدة ضمن هذه الشبكة. كما حصلت شركات إسرائيلية، من بينها شركات أسسها خريجو وحدة 8200 أو أفراد سابقون في قوات الاحتلال، مثل Mitrelli Group، التي تنشط في مشاريع الزراعة والأمن، على عقود لتوفير أنظمة مراقبة تحت غطاء “المساعدات التنموية”. ويشير التحقيق إلى أن شركة Mitrelli خرجت من رحم شركة أقدم اسمها LR Group، وكان مؤسس Mitrelli، حاييم طيب، قد عمل لديها. وشارك طيب في القتال إلى جانب قوات الاحتلال خلال حرب لبنان الأولى عام 1982. أما مؤسسو LR Group فهم آمي لوستيغ وإيتان ستيبه وروي بن يامي. وكان الثلاثة طيارين في سلاح الجو الإسرائيلي، وشاركوا بصورة محورية في توريد الأسلحة، “في الغالب، لكن ليس حصراً”، من شركات سلاح صهيونية، وفق ما يورده كتاب يوتام غورام الصادر عام 2020 بعنوان Israel in Africa. كما روّج طيب لمشاريع زراعية في أنغولا مستندة إلى نموذج المستوطنات ذات النزعة التفوقية اليهودية في فلسطين، فضلاً عن مشاريع تتعلق بالأمن البحري.

برنامج التجسس Predator يستهدف صحافيين في أنغولا

ويرى التحقيق أن شركات المراقبة المرتبطة بإسرائيل رسّخت وجودها في أنغولا، وزوّدت النظام بأدوات لسحق المعارضة في هذا البلد الغني بالنفط والألماس. ففي تقرير صدر في فبراير/شباط 2026، كشفت منظمة العفو الدولية أن برنامج التجسس Predator، الذي طوره تحالف Intellexa الذي أسسه إسرائيليون، أصاب هاتف الآيفون الخاص بالصحافي الأنغولي البارز والمدافع عن حرية الصحافة تيكسيرا كانديدو في مايو/أيار 2024، بعدما ضغط على رابط خبيث عبر تطبيق واتساب. ويعمل Predator من خلال اختراقات بنقرة واحدة أو حتى من دون أي تفاعل من المستخدم، بما يتيح الوصول إلى الرسائل، والموقع الجغرافي، والميكروفون، والكاميرا، والتطبيقات المشفرة. كما اكتشف الباحثون عشرات النطاقات الإلكترونية المرتبطة بـPredator، والتي كانت تحاكي مواقع إخبارية أنغولية شهيرة وبوابات حكومية، بما يدل على عملية مراقبة واسعة تعود إلى مطلع عام 2023 على الأقل. ويؤكد التحقيق أن هذه هي أول حالة موثقة علناً لاستخدام Predator ضد المجتمع المدني في أنغولا.

ويشرح التحقيق أن تحالف Intellexa يعمل كشبكة لا مركزية من الشركات التي تسوّق برامج تجسس شديدة التوغل، بالأساس تحت علامة Predator. وقد أُسس هذا التحالف عام 2019 على يد تال ديليان، وهو جنرال سابق في جهاز الاستخبارات العسكرية التابع للنظام الصهيوني. وتنقل The New York Times أنه “أُجبر على التقاعد من جيش الدفاع الإسرائيلي عام 2003 بعد أن أثار تحقيق داخلي شبهات حول ضلوعه في سوء إدارة أموال”. وكان ديليان قائداً سابقاً في الوحدة 81 التابعة للكيان الصهيوني، وهي وحدة استخبارات تكنولوجية ترتبط بوحدة 8200. ويقول التحقيق إن هذا التحالف بُني على المهارات المستمدة من الجهاز السيبراني النخبوي في جيش الاحتلال، المعروف بمراقبة الفلسطينيين وتصدير تقنيات القمع.

وقد فرضت وزارة الخزانة الأمريكية عقوبات على ديليان في مارس/آذار 2024، وجاء في بيانها الصحافي:

“اليوم، قام مكتب مراقبة الأصول الأجنبية (OFAC) التابع لوزارة الخزانة بتصنيف شخصين وخمس جهات مرتبطة بتحالف Intellexa بسبب دورهم في تطوير وتشغيل وتوزيع تكنولوجيا تجسس تجارية استُخدمت لاستهداف أمريكيين، من بينهم مسؤولون حكوميون أمريكيون، وصحافيون، وخبراء في السياسات.”

وشمل التصنيف ديليان، وزوجته السابقة سارة ألكسندرا فيصل حمو، إلى جانب شبكة من الشركات المرتبطة ومقرها في أيرلندا، واليونان، والمجر، ومقدونيا الشمالية، وهي: Intellexa S.A. وIntellexa Limited وCytrox AD وCytrox Holdings ZRT وThalestris Limited.

ورغم هذه العقوبات، يواصل Predator تزويد الجهات المختلفة ببرامج التجسس، بل ويقول التحقيق إنه شهد نوعاً من “العودة”. فبين عامي 2023 و2025، ذكرت منظمة Insikt Group أنها “حددت مشغلين مشتبه بهم لـPredator في أكثر من اثني عشر بلداً”، ومن بينها الدول الإفريقية التالية: أنغولا، وبوتسوانا، وجمهورية الكونغو الديمقراطية، ومصر، وموزمبيق، التي ينتقل إليها التحقيق تالياً.

موزمبيق

تقدم موزمبيق، بحسب التحقيق، مشهداً مشابهاً من الاستغلال، وقد كانت أيضاً من زبائن Predator، كما ورد أعلاه. كما أن إدراج إبستين ضمن جولة كلينتون المرتبطة بالإيدز عام 2002، والتي زارت موزمبيق، أخفى وراءه، بحسب التحقيق، مساعي استخباراتية أعمق. ويشير التحقيق إلى أن ميناء مابوتو، الذي تديره “دي بي وورلد” منذ عام 2004، يسهّل التوغلات الصهيونية في مجالي السلاح والفضاء السيبراني وسط النزاعات الأهلية في موزمبيق وطفرة الغاز التي تشهدها البلاد. كما تقدمت شركة Elbit Systems، المرتبطة بإيهود باراك، بعروض لتوريد طائرات مسيّرة من أجل “مكافحة الإرهاب” في إقليم كابو ديلغادو، وهو ما فاقم تهجير المجتمعات المحلية في ظل مشاريع الطاقة المرتبطة، وفق التحقيق، بنهب الموارد الإمبريالي. وتشير تقارير إلى أن شركات مرتبطة بوحدة 8200 مثل NSO Group وفرت برامج تجسس للسلطات الموزمبيقية، بما أدى إلى خنق الصحافة والمعارضة وتكريس دورة من العنف تعود بالفائدة على الاستحواذ الصهيوني على الموارد.

رواندا

أما رواندا، التي زارتها المجموعة نفسها خلال رحلة كلينتون المذكورة، فيقول التحقيق إنها تمثل نموذجاً للاختراق السيبراني الصهيوني في مرحلة ما بعد الإبادة الجماعية. فمنذ عام 2018، مكّن مستودع الحاويات البري في كيغالي التابع لـ”دي بي وورلد” من فرض هيمنة لوجستية بوصفه قناة للتغلغل الاقتصادي الإماراتي-الصهيوني. كما تشير وثيقة رواندية خاصة بالمشتريات الإلكترونية إلى شركة Cellebrite إلى جانب أدوات جنائية رقمية أخرى، مثل Oxygen وGray Key، في سياق شركات مسجلة في رواندا أو مملوكة لمواطنين روانديين تُدفع مستحقاتها بالعملة المحلية. ويقول التحقيق إن ذلك يوحي بإمكانية شراء هذه التقنيات أو استخدامها في التحقيقات الرقمية، لكن من دون وجود عقود أو عمليات نشر مؤكدة. كما أفاد مشروع بيغاسوس بأن رواندا كانت إحدى الدول الواردة في قائمة عملاء مسرّبة تخص مجموعة NSO.

السنغال

وفي السنغال، تتقاطع زيارات إبستين المبلغ عنها، والموثقة في سجلات وزارة الخارجية الأمريكية ضمن رحلات مخططة إلى عدة دول إفريقية بينها السنغال، مع التوسع الصهيوني عبر منشآت ميناء داكار التي تديرها “دي بي وورلد”. وقد وُقّع امتياز تشغيل ميناء ندايان العميق الجديد، الواقع على بعد نحو 50 كيلومتراً جنوب داكار، في عام 2020، استناداً إلى العمليات القائمة للشركة في ميناء داكار، بما يتيح، بحسب التحقيق، تغلغلاً اقتصادياً إماراتياً-صهيونياً. وفي يناير/كانون الثاني 2026، ورد أن الشرطة السنغالية:

“… عُرض عليها شرح عملي لأداة مراقبة جماعية تُعرف باسم Robin في منتصف عام 2024، بعد أشهر فقط من تولي الرئيس باسيرو ديوماي فاي منصبه عقب انتخابات مارس/آذار … ويتم تسويق Robin من قبل الشركة الإسرائيلية Bold Analytics، وهي شركة توصف على نطاق واسع بأنها الخليفة لمجموعة NSO المثيرة للجدل، مطورة برنامج Pegasus سيئ الصيت.”

ويضيف التحقيق أن شركة Bold Analytics أُنشئت عام 2022 لتكون الخليفة المباشر لأنشطة البيانات الضخمة والتحليلات السلوكية التابعة لمجموعة NSO. فعندما أدت فضائح برنامج Pegasus إلى إدراج NSO على القوائم السوداء الأمريكية وتصاعد الضغوط الدولية، قامت الشركة باستخراج هذا القطاع، بما يشمله من تكنولوجيا، وعلاقات مع العملاء، وموظفين، ونقله إلى الشركة الجديدة. وكشف موقع Intelligence Online أن Bold “استحوذت على أنشطة البيانات الضخمة التابعة لشركة الاستخبارات السيبرانية الإسرائيلية NSO”، وأنها حصلت أيضاً على “ملكياتها الفكرية وقاعدة عملائها”، كما يوضح تقرير صدر في يونيو/حزيران 2023.

وكان الاستمرار واضحاً أيضاً على مستوى الكوادر البشرية، إذ جاء 22 من أول 26 موظفاً من فرق التحليلات في NSO نفسها. وقد وثق Intelligence Online كيف اجتمع “خبراء NSO السابقون في مجال الاستخبارات السيبرانية” مجدداً داخل الشركة الجديدة. أما مؤسس Bold Analytics ومديرها التنفيذي الحالي فهو رامي دبوش، الذي شغل سابقاً منصب نائب الرئيس الأول في NSO Group، وكان يشرف على تطوير وتقديم الحلول الاستخباراتية لعملاء من الدول عبر عدة قارات. كما يبرز ملفه على LinkedIn خبرته القيادية في تحليلات البيانات والعمليات، فضلاً عن تخرجه في كلية الدفاع الوطني الإسرائيلية، وهو ما يعد، بحسب التحقيق، مؤشراً واضحاً على صلات رفيعة بالمؤسسة العسكرية أو الأمنية.

جنوب إفريقيا

وفي جنوب إفريقيا، حيث ترتبط “دي بي وورلد” بخدمات لوجستية في ديربان وكيب تاون، يقول التحقيق إن التوغلات السيبرانية الصهيونية مستمرة رغم ضغوط المقاطعة BDS. فشركة Check Point، التي أسسها خريجو وحدة 8200، ومن بينهم غيل شويد، وهو من قدامى الوحدة نفسها، تبيع جدراناً نارية لكيانات رسمية، في حين تواصل شركات السلاح الإسرائيلية الالتفاف على سياسات الحظر. وتمتلك Check Point مكتباً إقليمياً في جوهانسبرغ خاصاً بجنوب القارة، فيما تغطي ثلاثة مكاتب إقليمية أخرى بقية إفريقيا انطلاقاً من نيجيريا والمغرب وكينيا.

وفي عام 2019، غادر عدد من خريجي وحدة 8200 العاملين في Check Point الشركة لتأسيس Orca Security. وكان من بينهم آفي شوعا، كبير التكنولوجيين السابق في Check Point، ويوآف ألون، إضافة إلى نائب رئيس البحث والتطوير أوري كورال. وفي شرق وجنوب إفريقيا، تعمل الشركة عبر شركاء يبيعون منتجاتها، من بينهم Maxtec Africa التي تملك مكاتب رئيسية في كل من جوهانسبرغ ونيروبي في كينيا، وتدير عمليات في كل الدول الواقعة جنوب كينيا، وهي: تنزانيا، ومالاوي، وموزمبيق، وزيمبابوي، وبوتسوانا، وزامبيا، وناميبيا، وأنغولا. وكما ورد آنفاً، يُقال إن برنامج Pegasus الذي تنتجه مجموعة NSO نشط أيضاً في جنوب إفريقيا.

ويربط التحقيق هذا المشهد بشبكة إبستين-بن سليم، حيث سهّلت توسعات “دي بي وورلد” في عهد بن سليم وصول الكيان الصهيوني. وكما أعلنت “دي بي وورلد” في مايو/أيار 2025، فقد أطلقت حلاً لوجستياً متكاملاً في جنوب إفريقيا لتعزيز نمو قطاع السيارات، مستفيدة من موانئ مثل كيب تاون، حيث تدير الشركة خدمات الشحن. وكان بن سليم قد نسج علاقات رفيعة المستوى عبر إفريقيا، بما في ذلك جنوب إفريقيا، للحصول على امتيازات تشغيل، وهي شبكات ربما عززتها، وفق التحقيق، التعارفات التي رتّبها إبستين مع قادة أفارقة، مثل أولئك الموجودين في السنغال والغابون.

أما صلات إبستين الشخصية بجنوب إفريقيا، فتضمنت، بحسب التحقيق، استقطاب نساء من كيب تاون، فضلاً عن روابط تجارية بشخصيات مثل باتريس موتسيبي. ففي تبادل رسائل مؤرخ في أكتوبر/تشرين الأول 2014، “نصح إبستين أحد معارفه بالتوجه إلى الرئيس التنفيذي لشركة African Rainbow Minerals، باتريس موتسيبي، للحصول على استثمار في خطة عمل.”

ويقول التحقيق إن هذا يجسد كيف أن البنية التحتية الإماراتية في عهد بن سليم أسهمت في ترسيخ التغلغل الصهيوني في موانئ رئيسية، بما يعزز نفوذ الكيان الصهيوني.

تفكيك الهيمنة الصهيونية العالمية الصاعدة

وعلى امتداد القارة، ومن خلال امتيازات “دي بي وورلد”، تنشر شركات صهيونية، يقود كثيراً منها قدامى أفراد وحدة 8200، برامج تجسس، وطائرات مراقبة مسيّرة، ومنتجات ذكاء اصطناعي جرى تصديرها من “مختبرات” فلسطينية، بهدف ترسيخ الأنظمة الدكتاتورية، والاستيلاء على الموارد، وقمع الحركات المناهضة للإمبريالية، بما يصنع Pax Judaica عبر استعمار رقمي.

ويرى التحقيق أن هذه الانكشافات الجديدة تفتح مسارات إضافية للبحث أمام من يسعون إلى فهم دور إبستين الكامل في السياسة الخارجية التوسعية للكيان الصهيوني. فمن الواضح، بحسب النص، أن دور الكيان الصهيوني في التغلغل داخل الدول الغربية، وخصوصاً الولايات المتحدة، والمملكة المتحدة، وفرنسا، وألمانيا، دور بالغ الأهمية، كما أن عملية التطبيع عبر اتفاقات أبراهام، وما يقابلها في أمريكا اللاتينية من اتفاقات إسحاق، تشكل جزءاً من هذا المسار. وفي المقابل، تكشف العمليات المتعددة في إفريقيا عن اختراق كبير في عدد من الدول عبر الموانئ، والاستيلاء على الموارد، والإبادة الجماعية، والتطهير العرقي. والأهم من ذلك، بحسب التحقيق، أن الأدلة تشير إلى استخدام شركات الأمن السيبراني والمراقبة كغطاء للتغلغل الاستخباراتي. وما نشهده، وفق هذا الطرح، هو بروز إمبراطورية عالمية جديدة أُطلق عليها اسم Pax Judaica: الإمبراطورية اليهودية. ولذلك فإن المهمة العاجلة تتمثل، كما يقول التحقيق، في فهم هذه الإمبراطورية الجديدة على نحو صحيح، والعمل في نهاية المطاف على هزيمتها.

ويخلص التحقيق إلى أن ما كشفته علاقة إبستين-بن سليم يبلور التوسع الخفي للكيان الصهيوني داخل إفريقيا، من خلال نسج شبكة من الموانئ، والأدوات السيبرانية، والاستيلاء على الموارد. فمن خلال منشآت “دي بي وورلد”، التي تحولت إلى مراكز لتجسس الموساد، ونشر برامج التجسس الخاصة بوحدة 8200، وتهريب الأسلحة، تستغل القوى الصهيونية، التي يقودها في كثير من الأحيان قدامى جنود الاحتلال، النزاعات في دول مثل موزمبيق ورواندا وأنغولا للاستيلاء على الألماس، والنفط، والمعادن الضرورية لإدامة النظام القائم على الإبادة في فلسطين.

ويؤكد التحقيق أن هذا النمط، الذي يتكرر في منصات المراقبة في مصر، وأنظمة الحدود في السنغال، والالتفاف على الحظر في جنوب إفريقيا، يعكس Pax Judaica أوسع: إمبراطورية يهودية تمزج رأس المال الإماراتي بالاستخبارات الإسرائيلية لتدير الإبادات الجماعية، والتطهير العرقي، والاستعمار الرقمي عبر القارة. ومع مساهمة اتفاقات التطبيع، مثل اتفاقات أبراهام واتفاقات إسحاق، في إضفاء الشرعية على هذا التغلغل في غرب آسيا وأمريكا اللاتينية، فإن كشف هذه الشبكة الصهيونية العالمية وهزيمتها يصبحان، بحسب التحقيق، ضرورة ملحّة أمام القوى المناهضة للإمبريالية في العالم. كما أن المطالبة بمحاسبة كل من مكّنوا إبستين، والعمل على تفكيك بنيتهم الاستغلالية، يشكلان جزءاً أساسياً من هذه المهمة.