في وقتٍ تئن فيه غزة تحت وطأة المجاعة والحصار والحرب، خرج الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين بموقف لافت يؤكد فيه أن مصر تمثّل “الدولة المحورية” القادرة على إنهاء الكارثة إذا قادت تحالفًا إسلاميًا واسعًا، تبدأ شرارته من الأزهر الشريف وتجد دعمه في تركيا وقطر والسعودية وباقي القوى الإسلامية.
لكن في المقابل، تبدو مواقف النظام المصري بقيادة عبد الفتاح السيسي متأرجحة بين الشعارات الجوفاء والتحالفات الإقليمية المريبة، ما يطرح تساؤلات حقيقية: هل ما زالت مصر قادرة على أن تلعب هذا الدور، في ظل نظام يحاصر غزة أكثر مما يدعمها؟

تحالف منبوذ أم فرصة تاريخية؟
الدكتورعلي محمد الصلابي، الأمين العام للاتحاد العالمي لعلماء المسلمين، دعا في تصريحاته إلى “تحالف إسلامي واسع” يبدأ من القاهرة، ويمتد إلى تركيا وقطر والسعودية وماليزيا وباكستان، ويعتمد على القيادة الروحية للأزهر الشريف والدعم الشعبي المصري. فالتحرك المطلوب -وفق الصلابي- ليس دبلوماسيًا تقليديًا، بل تحركًا جماعيًا شرعيًا وأخلاقيًا يقوده الضمير الإسلامي.
الصلابي شدد على أن مصر ليست مجرد معبر جغرافي بل تمثل عمقًا سياسيًا وروحيًا للعالم الإسلامي، وبأن الشعب المصري لطالما لعب دورًا تاريخيًا في دعم القضية الفلسطينية. لكنه في الوقت نفسه دعا إلى تجاوز البيانات والنداءات الشكلية نحو فعل ميداني صريح لإنهاء الحصار ووقف الإبادة الجماعية.
هذا الطرح يعكس إدراكًا عميقًا من علماء الأمة بأن المعركة لم تعد محصورة في ميادين غزة، بل أصبحت معركة إرادة إسلامية جامعة، تتطلب موقفًا موحدًا من كل الشعوب والمؤسسات.
السيسي يتودد لترامب.. ويتنصل من غزة!
لكن هذا النداء، وبالرغم من وجاهته وصدقه، يصطدم بجدار النظام المصري الحالي. فالرئيس عبد الفتاح السيسي، بدل أن يتحرك ضمن هذا التحالف الإسلامي، اختار توجيه “نداء خاص” إلى الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب، طالبًا منه التدخل لوقف الحرب، في مشهد عبثي يعكس رهان القاهرة المستمر على ذات القوى التي تدعم الاحتلال بالسلاح والغطاء السياسي!
السيسي لم يكتفِ بذلك، بل عاد لترديد الرواية الأمنية ذاتها التي تبرر إغلاق معبر رفح بحجّة “التنسيق مع إسرائيل” وتأمين القوافل. في حين كشفت جهات أممية أن معابر غزة مغلقة بالكامل منذ 2 مارس، وأن قوافل المساعدات تُلقى جوًا دون جدوى، وسط اتساع رقعة المجاعة وارتفاع أعداد الشهداء بسبب الجوع.
فهل يُعقل أن نظامًا يمتلك الجغرافيا، والإرث النضالي، والأدوات السياسية، يكتفي بانتظار ضوء أخضر من الاحتلال نفسه لتقديم شاحنة طحين؟ أم أن الموقف المصري الرسمي بات جزءًا من سياسة الحصار لا وسيلة لفكه؟
خيانة الدور.. وتضليل باسم “الدبلوماسية”
منذ بدء الحرب على غزة في 7 أكتوبر 2023، لعبت مصر تحت حكم السيسي دور الوسيط الذي لا يتقدم خطوة حقيقية. فقد احتكرت ملف التهدئة، منعت فتح معبر رفح لفترات طويلة، وضيّقت على دخول المساعدات، ومنعت الصحفيين والوفود من دخول القطاع، وواصلت خطابًا دبلوماسيًا فارغًا بلا ضغط حقيقي على الاحتلال.
حتى بعد تصاعد التحركات الشعبية العربية والدولية المطالبة بكسر الحصار، بقي الموقف المصري باردًا، بل ورافقته أحيانًا تصريحات تتماهى مع المخاوف الإسرائيلية من نزوح الفلسطينيين إلى سيناء، ما أعطى انطباعًا بأن القاهرة باتت طرفًا في إدارة الحصار وليس في كسره.
في المقابل، جاءت تصريحات علماء المسلمين لتكشف هذا التواطؤ ضمنيًا، وتعيد توجيه البوصلة نحو الشعب المصري ومؤسسة الأزهر كقوتين حقيقيتين قادرتين على قلب المعادلة، إذا خرجتا من عباءة النظام وانحازتا للحق بوضوح.
هل تستعيد مصر دورها؟ أم تبقى رهينة السيسي؟
تصريحات الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين لم تأتِ من فراغ، بل تعكس حالة غضب شعبي عارمة من تخاذل الأنظمة الإسلامية، وعلى رأسها النظام المصري. فبينما ترتفع أصوات العلماء والمفكرين للمطالبة بتحرك صريح، يستمر السيسي في تقديم ولائه للتحالفات الغربية والإسرائيلية، ضاربًا بعرض الحائط تاريخه وتاريخ بلاده في دعم القضية الفلسطينية.
ما تحتاجه غزة اليوم ليس وساطات مشروطة، ولا مبادرات منسقة مع الاحتلال، بل وقفة حقيقية من قلب العالم الإسلامي، تبدأ من مصر، ومن الأزهر الشريف، ومن ضمير الشعب المصري الذي لطالما كان نبض فلسطين.
لكن السؤال يبقى: هل يستطيع الشعب المصري أن ينتزع هذه القيادة من يد نظام خذله وخذل غزة؟ أم أن العلماء سيظلون يصرخون في وادٍ لا حياة لمن تنادي؟
الكرة اليوم في ملعب الأمة.. أما السيسي، فقد اختار الانحياز.
اقرأ أيضًا : الإمارات تدعم تقسيم سوريا: مجموعات درزية مسلحة تنفلت في السويداء وتمنع الدولة والمساعدات