في مشهد غلبت عليه مشاعر الفخر والانتصار، رُفع علم سوريا الجديد ذو النجمات الثلاث للمرة الأولى في مقر الأمم المتحدة بنيويورك، بحضور وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني والمبعوث الأممي إلى سوريا غير بيدرسون، وسط احتفال مؤثر للجالية السورية، إيذانًا ببداية عهد جديد للبلاد بعد عقود من الاستبداد والدمار.

https://twitter.com/i/status/1915777988999733342

لحظة تاريخية تنهي حقبة مؤلمة

وقف وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني، أمام سارية أعلام الأمم المتحدة، ممسكًا بعلم بلاده الجديد الذي أصبح رمزًا لثورة شعبية عظيمة أبت أن تنكسر رغم القمع والدماء.

ومع ترديد الحضور للنشيد الوطني الجديد، رفع الشيباني العلم بأيدٍ ملؤها العزم، مؤكدًا في كلمة نشرها عبر حسابه على منصة “إكس”:

“باسم الجمهورية العربية السورية، أقف اليوم في لحظة تاريخية تفيض بالكرامة، لأرفع علمنا السوري الجديد في هذا الصرح الأممي، للمرة الأولى بعد أن طوينا صفحة أليمة من تاريخنا.”

وأضاف الشيباني أن هذا العلم “لا يرمز فقط إلى دولة، بل إلى إرادة شعب صمد وناضل ورفض الاستسلام، وآمن بأن الحرية والعدالة ليستا رفاهية، بل حق يُنتزع.”

الحدث لم يكن مجرد مراسم بروتوكولية، بل كان إعلانًا رمزيًا أمام المجتمع الدولي بانتصار الثورة السورية، التي خاضت واحدة من أطول وأصعب معارك الشعوب من أجل استرداد الحرية والكرامة.

 

مسيرة تضحيات شعب.. وانهيار حكم مستبد

الثورة السورية التي اندلعت في ربيع 2011 لم تكن سوى صدى لصيحات الحرية التي اجتاحت العالم العربي، لكنها في سوريا واجهت آلة قمع لا تعرف الرحمة. قُصفت المدن، ارتُكبت المجازر، وامتلأت السجون بمئات الآلاف من المعتقلين، بينما وقفت القوى العالمية في معظمها عاجزة أو متواطئة.

طوال أكثر من عقد، قاوم الشعب السوري بوسائل شتى، من السلاح إلى الكلمة، ومن المظاهرات السلمية إلى العمليات المسلحة دفاعًا عن النفس. ورغم الدعم الهائل الذي تلقاه نظام بشار الأسد من قوى إقليمية ودولية كروسيا وإيران، تمكنت فصائل المعارضة السورية في نهاية المطاف من إحداث تحول دراماتيكي في المشهد.

وفجر الأحد، 8 كانون الأول/ ديسمبر الماضي، دوّى النبأ التاريخي: دخول فصائل المعارضة إلى قلب العاصمة دمشق، وسط انهيار شامل لقوات النظام التي انسحبت من المؤسسات العامة والشوارع، منهية بذلك أكثر من ستة عقود من حكم حزب البعث، وما يقارب 53 عامًا من استبداد عائلة الأسد.

كان مشهد انسحاب القوات الموالية للنظام، ورفع علم الثورة فوق مباني الوزارات والمقار الرسمية، لحظة فارقة اختزلت تضحيات الملايين الذين فقدوا أحبّاءهم، أو هُجّروا قسرًا، أو قضوا نحبهم في المعتقلات.

https://docs.google.com/document/d/1qRZzYWTg5YCTQx99-18vBBvevH_9HBMzXNY-FG3Qonc/edit?usp=sharing

بدء مرحلة جديدة.. وبناء جمهورية الحرية

لم تكتفِ قوى الثورة بالنصر العسكري، بل سارعت إلى بناء مؤسسات الدولة الجديدة على أسس ديمقراطية ومدنية. ففي 29 كانون الثاني/ يناير، أعلنت الإدارة السورية الانتقالية عن مجموعة قرارات ثورية أبرزها:

  • تعيين قائد قوات التحرير أحمد الشرع رئيسًا للمرحلة الانتقالية.
  • اعتماد علم جديد بثلاث نجمات، رمزًا لتضحيات الشعب وتنوعه.
  • حل حزب البعث العربي الاشتراكي، وإنهاء العمل بدستور عام 2012.
  • حل البرلمان القديم، والبدء في صياغة دستور جديد عبر لجنة وطنية مستقلة.

هذه الخطوات كانت بمثابة إعلان نهاية عهد الديكتاتورية، وبدء مسيرة بناء دولة المواطنة والقانون، دولة تحترم الإنسان وتكرّم كرامته ولا تعامله كرقم في معادلات السلطة.

زيارة وزير الخارجية أسعد الشيباني إلى نيويورك جاءت أيضًا في سياق تحركات دبلوماسية حثيثة تقوم بها الحكومة السورية الجديدة، لإقناع الولايات المتحدة والأطراف الدولية برفع العقوبات المفروضة على سوريا منذ عهد النظام المخلوع، ودعم جهود إعادة الإعمار وإعادة اللاجئين في ظل حكومة شرعية تمثل إرادة السوريين.

الثورة مستمرة حتى ترسيخ النصر

رفع علم سوريا الجديد في مقر الأمم المتحدة ليس نهاية الطريق، بل بداية رحلة طويلة لترسيخ مبادئ الثورة وبناء وطن يليق بتضحيات أبنائه.

تحديات إعادة الإعمار، وعودة ملايين اللاجئين، وتحقيق المصالحة الوطنية، جميعها مهام جسيمة تنتظر السوريين، لكنها لن تكون مستحيلة لشعب أثبت أن المستحيل كلمة لا مكان لها في قاموسه.

لقد دفع السوريون ثمن الحرية غاليًا، لكنهم اليوم يقطفون أولى ثمار نضالهم العظيم. وفي لحظة رفع العلم في سماء الأمم المتحدة، بدت أرواح الشهداء، ومعاناة الأسرى، وصمود الأمهات، ترفرف مع كل نسمة تحرّك راية النصر.

اقرأ أيضًا : ضربات قاصمة.. الحكومة السورية تلاحق فلول نظام الأسد