في مشهد يختصر البطولة في أنقاها، والوفاء في أبهى صوره، ظهر الجندي السوري “محمد أبو إبراهيم”، المعروف بـ”أبو صلاح”، وهو يجلس على كرسي متحرك، ممسكًا بسلاحه، مدافعًا عن الجرحى الذين شاركوه المعاناة في مستشفى جبلة الساحلي.
لم يكن يحمل سلاحًا فقط، بل كان يحمل أيضًا رسالة صمود تختصر قصة شعب انتصر على الجراح، ورفض أن يركع من جديد لفلول نظام اعتاد القتل والقمع والخيبة.
رجل على كرسي.. لكنه واقف في وجه الموت
قصة “أبو صلاح” لم تكن مجرد لحظة في فيديو انتشر على وسائل التواصل الاجتماعي، بل هي ملحمة حقيقية لرجل لم تمنعه إصابته عن أداء واجبه الوطني، ولم تَثنه عجلات الكرسي المتحرك عن خوض معركة جديدة – ولكن هذه المرة من داخل غرفة علاج.
الهجوم الغادر الذي شنّته فلول نظام الأسد على مستشفى جبلة لم يكن سوى فصل جديد في رواية نظام لم يعرف من السقوط سوى الاسم، ورفضت بعض فلوله أن تنصاع لإرادة الشعب السوري الذي قال كلمته في 8 ديسمبر/كانون الأول 2024، وأسقط سلطة القمع والحديد.
لكن ما فعله “أبو صلاح” فاق التوقعات. ففي وقت سقط فيه بعض رفاقه شهداء وهم يدافعون عن المستشفى، ظل هو يطلق النار من كرسيه، مدافعًا عن حياة الجرحى، وعن شرف المقاتل الذي لا يفرّ حتى لو تخلى عنه جسده. ربما تكون رجلاه قد توقفتا، لكن قلبه ظل يركض نحو المجد.
فلول الأسد… الجبل الأخير للخيبة
سقوط النظام السوري لم يكن النهاية الفعلية لجرائمه، فقد لجأت بقاياه، الرافضة للمصالحة، إلى التمركز في المناطق الجبلية، لا سيما في الساحل السوري، هناك حيث عاشت بقايا قيادات النظام في محاولة أخيرة للعبث بالمشهد.
رفضوا تسليم السلاح، ورفضوا الاعتراف بالهزيمة، وقرروا خوض معارك عبثية ضد الشعب السوري الذي تجاوزهم وتطلع إلى مرحلة جديدة من الحرية والديمقراطية.
وما جرى في جبلة ليس إلا جزءًا من محاولاتهم لعرقلة الانتقال، عبر الهجوم على منشآت طبية وأماكن مدنية، في تحدٍ واضح لكل معاني الإنسانية.
لكن المفارقة أن فلولهم وجدت في وجهها مقاتلًا على كرسي، يطلق الرصاص بيد واحدة، ويبعث برسالة واضحة: “لن تعودوا.. حتى وأنا جريح، لن تَمرّوا”.
أبو صلاح.. صورة وطن حي لا يُهزم
هذا الجندي، المصاب بجراحه، المشلول جزئيًا، لم يطلب شفقة ولا استثناء، بل اختار الدفاع عن الأرض والكرامة. في وقت تتهرب فيه الجيوش النظامية من معاركها، ويتحول قادة الأجهزة الأمنية إلى تجار دم، وقف “أبو صلاح” ليثبت أن الثورة لا تنتهي بإسقاط النظام، بل تبدأ بإعادة بناء الإنسان.
شجاعة “أبو صلاح” لا تقاس بالسلاح الذي حمله، بل بالعقيدة التي لم تُهزم رغم الألم.
ففي اللحظة التي اختار فيها أن يقاتل وهو يعلم أن جسده قد لا يتحمل، كان يعلن بوضوح أن القضية لم تكن يومًا قضية ثأر، بل قضية كرامة. وحين يحاول التاريخ أن يبحث عن صور البطولة في هذا العصر، فلتكن صورة جندي على كرسي، يطلق النار من شباك مستشفى، عنوانًا لمرحلة لا تُنسى.
في النهاية، ما فعله “أبو صلاح” يجب أن يُدرّس في الأكاديميات العسكرية، لا من باب التكتيك، بل من باب الروح.
في بلد أنهكته الحرب والانقسامات، لا بد من قصص تصنع الأمل وتعيد تعريف البطولة. فالجندي الذي تصدى لهجوم الفلول من على كرسيه، قال لنا جميعًا إن المعركة لم تنته، وإن الدفاع عن الثورة لا يتطلب أقدامًا تمشي، بل قلوبًا لا تخاف.
هكذا تُكتب الصفحات المضيئة من تاريخ الشعوب، وهكذا يُصنع المجد من غرفة جرحى، وهكذا ينتصر وطن، لأن فيه من لم يرضَ أن يكون متفرجًا حتى ولو كان مقعدًا. لن يهزم شعب فيه “أبو صلاح”.. لأنه ببساطة، لا يعرف الهزيمة.
اقرأ أيضًا : معركة الكرامة.. عندما طلبت إسرائيل لأول مرة وقف إطلاق النار!