في خطوة تكشف بوضوح مستوى الانخراط الإماراتي في مشروع التطبيع، ظهر علي النعيمي، رئيس ما يُسمّى «المجلس العالمي للمجتمعات المسلمة» الذي يتخذ من أبو ظبي مقرًا له، داخل مبنى الكنيست الإسرائيلي، مطلقًا تصريحًا بالغ الخطورة حين قال: «اتفاقنا معكم هو لتغيير المنطقة كلها». لم يكن المشهد عابرًا، ولا يمكن عزله عن السياق السياسي العام، بل جاء ليعكس انتقال التطبيع من مرحلة العلاقات الرسمية إلى مرحلة الشراكة العلنية مع مؤسسات الاحتلال نفسه.
علي النعيمي رئيس المجلس العالمي للمجتمعات المسلمة الذي مقرّه في أبو ظبي، يستقبل في #الكنيسيت، ويقول “اتفاقنا معكم هو لتغيير المنطقة كلّها”.
عشنا وشفنا.#أمن_السعودية_خط_أحمر#أمن_المنطقة_في_خطر pic.twitter.com/Z9UM4bXuiX— عبدالعزيز بن عثمان التويجري (@AOAltwaijri) January 25, 2026
الكنيست… المكان الذي لا يلتبس معناه
اختيار الكنيست ليس تفصيلاً هامشيًا. فهذا البرلمان هو الجهة التي تصدر القوانين العنصرية، وتشرعن الاستيطان، وتغطي جرائم القتل والحصار بحق الفلسطينيين. دخول النعيمي إلى هذا المكان، والحديث من داخله بلغة الشريك لا بلغة الناقد، يحمل دلالة سياسية واضحة: الاعتراف الكامل بالمؤسسة الصهيونية، والتعامل معها كطرف طبيعي في “تغيير المنطقة”، لا كقوة احتلال قائمة على الاغتصاب والاستعمار.
خطاب “التسامح” كقناع سياسي
لسنوات، قدّم النعيمي نفسه باعتباره داعية حوار وتسامح وتعايش بين الأديان، غير أن هذا الخطاب يسقط فور الاصطفاف داخل مؤسسة الاحتلال. فالتسامح الحقيقي لا يكون مع القاتل وهو يواصل جريمته، ولا مع نظام استعماري ينكر وجود شعب بأكمله. ما جرى هو استخدام متعمد للغة دينية ناعمة لتسويق مشروع سياسي صلب، هدفه كسر الحاجز الأخلاقي والنفسي بين الشعوب العربية والاحتلال.
وكيل للاحتلال بواجهة إسلامية
دور النعيمي لا يمكن فصله عن وظيفته السياسية. فهو لا يتحرك بصفته فردًا، بل كجزء من منظومة رسمية تعمل على اختراق الوعي العربي والإسلامي من الداخل. ظهوره في الكنيست وتبنيه خطاب “تغيير المنطقة” يجعله عمليًا أداة من أدوات الاحتلال، تسهم في تبرير وجوده، وتمنحه غطاءً ثقافيًا ودينيًا يُستخدم لتفكيك الموقف الشعبي الرافض للتطبيع.
نظام بن زايد… من التطبيع إلى التحالف
تحركات النعيمي تعكس بوضوح سياسة نظام محمد بن زايد، الذي لم يعد يخفي خياره الاستراتيجي بالتحالف مع الاحتلال. أبو ظبي لم تكتفِ باتفاقيات سياسية، بل انخرطت في تعاون أمني واقتصادي وثقافي، وتسعى اليوم إلى إعادة تشكيل المنطقة عبر بوابة “السلام الإبراهيمي”. زيارة الكنيست ليست زلة، بل حلقة في مشروع متكامل، يُعاد فيه تعريف العدو، ويُعاد فيه رسم خرائط الولاء.
“تغيير المنطقة”… على حساب من؟
التصريح الأخطر في خطاب النعيمي هو حديثه عن “تغيير المنطقة كلها”. هذا التغيير، كما تُظهر الوقائع، لا يشمل إنهاء الاحتلال، ولا ضمان حقوق الفلسطينيين، ولا وقف الاستيطان، بل يعني تكييف المنطقة مع وجود إسرائيل كقوة مهيمنة، وتهميش القضية الفلسطينية باعتبارها عبئًا سياسيًا يجب التخلص منه. إنه تغيير يُفرض من فوق، لصالح قوى خارجية، وعلى حساب شعوب المنطقة.
التطبيع كأداة لضرب الوعي
أخطر ما في هذا المسار أنه لا يستهدف السياسة فقط، بل الوعي الجمعي. حين يتحدث شخص بصفة “إسلامية” من داخل الكنيست، يُراد لهذا المشهد أن يبدو طبيعيًا، بل مرغوبًا. الهدف هو نزع صفة الجريمة عن الاحتلال، وتجريم كل من يرفضه أو يقاومه، وتحويل المقاومة إلى “تطرف”، بينما يصبح التعاون مع القاتل “اعتدالًا”.
رفض شعبي يتسع رغم كل شيء
ورغم هذا الانخراط الرسمي، يبقى التطبيع معزولًا شعبيًا. فالشعوب العربية، ومعها أحرار العالم، تدرك أن السلام الحقيقي لا يمكن أن يُبنى على إنكار الدم الفلسطيني، ولا على الشراكة مع نظام استيطاني. كل زيارة من هذا النوع لا تُقنع الشارع، بل تزيد من الفجوة بين الأنظمة وشعوبها.
خلاصة المشهد
ما فعله علي النعيمي في الكنيست ليس مجرد زيارة، بل إعلان صريح عن موقعه ودوره. هو جزء من مشروع تقوده أبو ظبي لإعادة تشكيل المنطقة بما يخدم الاحتلال، مستخدمًا واجهات دينية وثقافية لتجميل الخيانة. أما فلسطين، التي يُراد شطبها من المعادلة، فستظل معيار الحقيقة، وكل من يقف في صف قاتلها، مهما تلون، سيبقى في نظر الشعوب خائنًا.
اقرأ أيضًا : الأونروا: غزة أخطر بقاع الأرض على الصحفيين بسبب إجرام الاحتلال