بعد أكثر من سنة ونصف على بدء العدوان الإسرائيلي الشامل على قطاع غزة، تعود كتائب القسام إلى الواجهة بعمليات نوعية مصورة شرقي خانيونس، تبعث من خلالها رسالة واضحة: المقاومة لا تزال حاضرة بقوة، قادرة على التخفي، التنظيم، والتخطيط في بيئة شديدة التعقيد أمنياً وعسكرياً.

اللقطات الجديدة التي بثّتها الكتائب لم تكن مجرد استعراض عسكري، بل توثيق لمرحلة جديدة من حرب الاستنزاف ضد قوات الاحتلال.

الكمائن تعود من تحت الركام

أظهرت المشاهد التي نشرتها كتائب القسام دقة في التخطيط والتنفيذ، وهي تسجل ما يبدو أنه تصاعد في وتيرة المواجهة الميدانية في شرق خانيونس، إحدى أكثر الجبهات اشتعالاً منذ أسابيع. الفيديو وثّق لحظة قنص جندي إسرائيلي من وحدة هندسية، أصيب إصابة مباشرة وسقط على الفور.

لاحقاً، اعترف جيش الاحتلال بمقتله، مؤكداً أنه قضى بنيران قناص فلسطيني أثناء تمشيط أحد المواقع.

عملية القنص هذه لم تكن مجرد استهداف فردي، بل جزء من سلسلة هجمات منسقة، بدا فيها أن القسام قد أعاد تفعيل خلاياه الميدانية في مناطق يفترض الاحتلال أنه “أمّنها” بالكامل. 

ولعل الرسالة الأبرز في المشهد هي أن “انتهاء التوغلات” أو “فرض السيطرة” الميدانية مجرد وهم، وأن المقاومة لا تزال تملك مفاتيح الأرض والكمائن.

تفجير دبابات من مسافة صفر

واحدة من أكثر اللحظات إثارة في التسجيلات، تمثّلت في قيام مقاومين بالوصول إلى إحدى الدبابات الإسرائيلية من مسافة قريبة، وزرع عبوة ناسفة أسفلها، ثم تفجيرها، قبل أن يعيدوا الكرة مع دبابة أخرى قريبة، وينسحبوا بسلام. في بيئة تعتبرها قوات الاحتلال “ساحة سيطرة نارية” تعتمد على الطائرات المسيرة والتغطية المدفعية الكثيفة، تبدو هذه العمليات بمثابة “خرق استخباراتي وتكتيكي مزدوج”.

الرسالة الواضحة هنا أن المقاتلين الفلسطينيين لم يعودوا يواجهون الاحتلال فقط عبر تكتيك الضرب والفرار، بل أصبحوا يشنّون عمليات معقدة تشمل الرصد، الاقتراب، التنفيذ، والتوثيق، مما يعكس ارتفاعاً في مستوى الجاهزية والانضباط الميداني رغم أكثر من 18 شهراً من الحصار والقصف المتواصل.

استهداف المباني والاشتباك القريب: تكتيك المقاومة يتطور

في إحدى المشاهد الأخرى، استهدفت وحدة مقاومة تابعة لكتائب القسام منزلاً تتحصن فيه قوة إسرائيلية، باستخدام قذيفة مضادة للأفراد، أصابت الهدف بشكل مباشر. هذه الطريقة في القتال تشير إلى عودة المقاومة لتكتيك “الاشتباك القريب”، والذي تميزت به معارك الشجاعية وبيت حانون في 2014، لكنه يعود اليوم في ظروف أكثر قسوة، وتحت غطاء ناري إسرائيلي كثيف.

تكتيك القتال داخل الأحياء، واستهداف القوات المتحصنة، يعني أن المقاومة باتت تتحرك بحرية نسبية داخل جيوب معينة رغم سيطرة الطائرات بدون طيار والرقابة الجوية، وأن ما اعتقده الاحتلال منطقة “محرّرة” هو في الحقيقة فخٌ متقن.

رسائل من تحت الأنقاض: عام ونصف من العدوان لم يُنهِ الميدان

اللقطات المصورة تكشف عن أمر جوهري في المشهد العسكري لغزة: المقاومة لا تزال حيّة، نشطة، وقادرة على إنتاج المبادرة. على الرغم من مرور أكثر من 550 يوماً من الحرب، وتدمير آلاف المنازل، وتجويع السكان وحرمانهم من أبسط الخدمات، إلا أن القسام وغيره من فصائل المقاومة لا يزالون يطورون وسائلهم ويقلبون المعادلات الميدانية.

هذه العمليات لا تعبّر فقط عن “رد فعل” على توغل أو غارة، بل تكشف عن تطور تكتيكي في خوض “حرب استنزاف طويلة”، ترهق الاحتلال وتمنعه من تثبيت وجود ميداني دائم، وتبقيه في حالة قلق مستمرة من الكمائن.

ختام تحليلي: ماذا تعني هذه المشاهد للمرحلة القادمة؟

ما بثّته القسام ليس مجرد مادة دعائية، بل رسالة مركبة إلى الاحتلال الإسرائيلي، مفادها أن الرهان على “الإنهاك” أو “كسر الإرادة” قد فشل، وأن العمل المقاوم أصبح أكثر نضجاً وتخطيطاً، لا يعتمد فقط على الجرأة، بل على حسابات دقيقة وتنسيق ميداني مدروس.

في شرق خانيونس، كما في غيرها من جبهات القطاع، تُعاد كتابة معادلة الصراع: الاحتلال الذي ظن أن الحرب ستنهي المقاومة، يجد نفسه بعد عام ونصف، في مواجهة تنظيم أكثر صلابة، يتقن القنص، ويفخخ الدبابات، ويشتبك في البيوت، ويختفي حيناً ليظهر حيناً، وقد أصبحت كل خطوة لجنوده محفوفة بالخطر.

اقرأ أيضًا : مـ ـذبـ ـحة في مستشفى المجلد.. منظمة الصحة تدين المجزرة والإمارات في قفص الاتهام