وسط استمرار آلة القتل الإسرائيلية منذ أكثر من ثمانية أشهر، برزت خلال الساعات الأخيرة سلسلة عمليات نوعية لفصائل المقاومة الفلسطينية، خصوصًا في مدينة خان يونس وجباليا شمال القطاع، مما ألحق خسائر مباشرة في صفوف قوات الاحتلال وأربك حساباته الميدانية. 

إذ أعلنت كتائب عز الدين القسام، الجناح العسكري لحركة حماس، وسرايا القدس، الجناح العسكري لحركة الجهاد الإسلامي، عن تنفيذ هجمات دقيقة ومشتركة استهدفت تجمعات للجنود والآليات، وترافقت مع بث مشاهد مصورة توثق الكمائن والضربات المحكمة، في حين أقر جيش الاحتلال بمقتل أحد جنوده شمال غزة.

وقد جاءت هذه التطورات لتؤكد أن المقاومة، رغم الحصار الخانق والتدمير الممنهج، ما زالت تملك زمام المبادرة ميدانيًا، قادرة على الإيلام والردع، ومستمرة في استنزاف جيش الاحتلال في حرب الشوارع والأنفاق.

خان يونس.. جبهة النار والصمود

في قلب المعركة، برزت مجددًا جبهة خان يونس جنوب القطاع كمسرح رئيسي للمواجهات، حيث كثّفت كتائب القسام وسرايا القدس من عملياتهما ضد قوات الاحتلال المتوغلة. فقد أعلنت القسام أنها استهدفت برج جرافة إسرائيلية من طراز “دي تسعة” شرقي المدينة باستخدام قذيفة “الياسين 105″، ما أدى إلى اشتعال النيران فيها، وذلك في بلدة بني سهيلا. كما نفذت القسام قصفًا مكثفًا بقذائف الهاون على تجمعات عسكرية في منطقة “معن” الواقعة جنوب خان يونس.

وبتنسيق عسكري محكم، نفذت كتائب القسام وسرايا القدس هجومًا مشتركًا في مناطق “الأوروبي” و”قيزان النجار”، عبر قصف مدفعي استهدف مواقع انتشار الجنود وآليات الاحتلال، في دلالة على استمرار التنسيق الميداني بين فصائل المقاومة، رغم الضغوط الهائلة المفروضة على القطاع.

سرايا القدس، من جانبها، فجّرت عبوة برميلية شديدة الانفجار في منطقة “عبسان الكبيرة” أدت إلى تدمير آلية إسرائيلية متوغلة، في عملية سبق التخطيط لها بدقة. كما بثت السرايا اليوم الأحد، مشاهد توثق استهداف قوات الاحتلال في محور نتساريم، وتضمنت تسجيلات مصورة لرصد ومهاجمة خطوط إمداد العدو بصواريخ “107”، فضلاً عن اغتنام عتاد عسكري وسيطرة على طائرتي “كواد كابتر”، في مشهد يعكس التفوق في حروب الاستنزاف وتكنولوجيا المقاومة.

جباليا تحت النار.. وجندي صهيوني يلقى حتفه

في تطور ميداني لافت، أقر جيش الاحتلال الإسرائيلي بمقتل أحد جنوده في جباليا شمال قطاع غزة، ينتمي لكتيبة الهندسة القتالية 601، إثر انفجار عبوة ناسفة قبل دخول قوة مدرعة أحد المباني. الحادثة وقعت خلال عملية عسكرية كانت تستهدف منطقة مكتظة بالمباني، الأمر الذي يشير إلى استمرار اعتماد المقاومة على تكتيك المفاجآت والتفخيخ والاستدراج، وهي أساليب قلبت موازين المواجهة منذ انطلاق الحرب البرية في أكتوبر 2023.

وقد أشارت وسائل إعلام إسرائيلية إلى وقوع “حدث أمني خطير” في خان يونس، تخلله تبادل كثيف لإطلاق النار، دون الإفصاح عن التفاصيل بسبب حظر النشر الذي تفرضه الرقابة العسكرية الإسرائيلية، في مؤشر على حجم الخسائر أو طبيعة الضربة التي تلقتها القوات المتوغلة هناك.

بسالة المقاومة.. معركة النفس الطويل

ليست هذه المرة الأولى التي تحقق فيها فصائل المقاومة مكاسب ميدانية بارزة، لكنها تأتي في توقيت بالغ الحساسية، حيث يعيش جيش الاحتلال مرحلة من الاستنزاف الحقيقي. فمنذ انطلاق العملية البرية في غزة، كثّفت الفصائل نصب الكمائن، وتوثيقها بالبث المباشر أو المقاطع المصورة، كجزء من حرب نفسية متكاملة ضد الجيش الإسرائيلي، الذي فشل في تحقيق أهدافه المعلنة رغم مرور أكثر من 8 أشهر على بدء العدوان.

وخلال تلك الفترة، تم تدمير مئات الآليات، وقتل وأصيب الآلاف من الجنود، بعضهم في عمليات موثقة بالتصوير الحراري أو كاميرات “كواد كابتر”، ما عزز من حضور المقاومة في الوعي الشعبي الفلسطيني والعربي، وفضح في المقابل هشاشة الجبهة العسكرية الإسرائيلية، رغم تفوقها التكنولوجي والتسليحي.

وتُعد السيطرة على مسيّرات إسرائيلية، واغتنام ذخائر وأسلحة من الجيش الإسرائيلي، دليلاً إضافياً على أن المقاومة تجاوزت مرحلة الدفاع، وتخوض اليوم مواجهة استنزافية متقدمة تهدد بانهيار المعنويات في صفوف الجيش وتضرب صورة الردع الإسرائيلي.

حرب إبادة.. ولكن المقاومة مستمرة

في خلفية هذا المشهد الميداني، تواصل إسرائيل تنفيذ حرب إبادة جماعية على سكان قطاع غزة، حيث أسفرت عملياتها منذ 7 أكتوبر 2023 عن سقوط أكثر من 185 ألف شهيد وجريح، إضافة إلى أكثر من 11 ألف مفقود، غالبيتهم من النساء والأطفال. غير أن هذا الثمن الفادح لم يكسر إرادة المقاومة، بل زاد من تصميمها على مواصلة القتال والدفاع عن ما تبقى من الأرض والكرامة.

المقاومة الفلسطينية لا تزال تثبت أنها قادرة، رغم شدة الحصار وفقدان الإمكانات، على مفاجأة العدو وتسجيل نقاط استراتيجية ضد جيشه، وتكبيده خسائر مباشرة في العتاد والأرواح، وهو ما يدفع مراقبين عسكريين إسرائيليين إلى الدعوة لوقف العملية البرية أو إعادة النظر في استراتيجيتها.

خاتمة: بين الدم والنار.. تتجدد معادلة الردع

في ظل هذه المعطيات، يمكن القول إن غزة، برغم الدمار والمجازر، لا تزال ساحة مقاومة فاعلة، تُعيد صياغة معادلة الردع مع الاحتلال. فكل عملية نوعية، وكل جندي يُقتل، وكل مسيّرة تُسقط، تحمل رسالة مفادها أن المقاومة باقية، وأن الانتصار لا يُقاس بالخراب وحده، بل بالصمود والمواجهة والقدرة على إعادة التوازن في وجه العدو. وبينما تُواصل إسرائيل عدوانها، تُواصل المقاومة أداءها، لتبقى غزة شعلة اشتعال في وجه الاحتلال.

اقرأ أيضًا : غارات إسرائيلية تفتك بالأطفال.. الاحتلال يمعن في الإجرام والمقاومة والشعب يصمدان